باب المندب ليس للحوثي.. اليمن يدفع ثمن الوكالة الإيرانية

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

لم يعد الحوثي يخفي شيئاً. فالمشهد في باب المندب يقول أكثر مما تقوله بيانات الجماعة وخطب قادتها. هناك مليشيا مسلحة تسيطر على جزء من الجغرافيا اليمنية، وتتعامل مع واحد من أهم الممرات البحرية في العالم كما لو أنه ملكية خاصة، بينما القرار الحقيقي يتجاوز صنعاء إلى طهران.
هذه هي المفارقة التي يجب أن يتوقف عندها اليمنيون والعالم: جماعة ترفع شعار السيادة الوطنية، لكنها تجعل أرض اليمن وموانئه وممراته البحرية أدوات في صراع إقليمي لا يملك اليمنيون قرار إشعاله ولا قرار إطفائه.
باب المندب ليس جبهة يمنية عادية. إنه عقدة استراتيجية تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتمر عبر محيطه مصالح تجارية وطاقة دولية هائلة. ولهذا فإن وضعه تحت نفوذ مليشيا مسلحة لا يمكن أن يبقى شأناً يمنياً محضاً.
الأكثر دلالة أن القوى الدولية بدأت تتعامل مع المسألة من هذا المنظور. فبحسب تقرير لرويترز، ضغطت الصين على إيران لاستخدام نفوذها لدى الحوثيين من أجل كبح تهديداتهم للملاحة، في وقت كانت فيه بكين نفسها معنية بأمن طرق التجارة والطاقة. وهذه ليست مجرد إشارة دبلوماسية عابرة؛ إنها دليل على أن ما يجري في باب المندب أصبح جزءاً من الحسابات الدولية.
وحين تضطر عاصمة كبرى إلى مخاطبة طهران بشأن الحوثيين، فالسؤال يصبح مشروعاً: أين القرار اليمني؟

الجواب مؤلم.
لقد نجحت إيران في بناء نفوذها من خلال وكلاء محليين في أكثر من ساحة، لكن الحالة اليمنية تكشف أحد أخطر أوجه هذا المشروع. فالجغرافيا اليمنية، بدلاً من أن تكون رصيداً للدولة، تحولت إلى ورقة ضغط. والموانئ، بدلاً من أن تكون بوابة للاستثمار والتجارة، أصبحت جزءاً من الحسابات العسكرية. والبحر الأحمر، بدلاً من أن يكون ممراً للتنمية، بات معرضاً لأن يصبح ساحة لتبادل الرسائل بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وهنا لا تكمن المشكلة في إيران وحدها، بل في الحوثي الذي قبل أن يكون الأداة.
فالوكيل لا يصبح وطنياً بمجرد أن يرفع العلم الوطني، ولا يصبح مستقلاً بمجرد أن يكرر خطاب السيادة. الاستقلال الحقيقي يبدأ من امتلاك القرار. ومن لا يملك قرار الحرب والسلام لا يستطيع أن يقنع شعبه بأنه صاحب السيادة.
لقد كان بإمكان اليمن أن يكون جسراً بين الخليج والقرن الأفريقي، ومركزاً للتجارة البحرية، وبلداً يستفيد من موقعه الاستثنائي. لكن الحوثيين اختاروا تحويل هذا الموقع إلى مصدر تهديد. وحين يتحول الموقع الجغرافي إلى سلاح، فإن أول من يدفع الثمن هو البلد الذي يملك ذلك الموقع.
وهذا ما يجب أن يفهمه الحوثيون قبل غيرهم: باب المندب ليس ورقة ابتزاز بلا ثمن.
كل تهديد للملاحة الدولية يوسع دائرة الأطراف المعنية بالصراع. وكل هجوم على السفن يضيف سبباً جديداً لتدويل الأزمة. وكل محاولة لاستخدام المضيق في خدمة صراع إيراني أمريكي تجعل اليمن أقرب إلى مواجهة لا يستطيع تحمل تبعاتها.
أما السعودية، فهي ليست دولة بعيدة عن هذه المعادلة. أمن البحر الأحمر يرتبط بأمنها الاقتصادي والاستراتيجي، واستهداف أراضيها ومنشآتها وسفنها يضعها أمام تهديد مباشر. لكن المسألة بالنسبة إلى الرياض ليست مجرد هجمات متفرقة؛ إنها محاولة لبناء معادلة جديدة على حدودها الجنوبية والبحرية، تستخدم فيها جماعة مسلحة الجغرافيا اليمنية كمنصة ضغط.
ومن هنا، فإن استمرار الحوثيين في الاعتقاد بأن ضبط النفس السعودي يعني العجز هو سوء قراءة للتاريخ ولطبيعة الدول. ضبط النفس قرار سياسي، وليس تفويضاً مفتوحاً. والدول قد تؤخر الرد، لكنها لا تتنازل بالضرورة عن حقها في حماية أمنها ومصالحها.
الأهم من ذلك كله أن اليمنيين يجب ألا يسمحوا بأن تختزل قضيتهم في الصراع بين إيران وخصومها. اليمن ليس ورقة إيرانية، وليس ساحة اختبار لصواريخ الآخرين، وليس ممراً تستخدمه طهران عندما تريد الضغط على واشنطن أو خصومها في المنطقة.

اليمن بلد له دولته وشعبه ومصالحه.
ومن هنا فإن استعادة الدولة ليست مطلباً سياسياً فحسب، بل أصبحت ضرورة لحماية الجغرافيا اليمنية نفسها. لا يمكن أن يستقر باب المندب على المدى الطويل في ظل تعدد مراكز القوة ووجود مليشيا مسلحة تستطيع أن تقرر متى تهدد الملاحة ومتى تتوقف عنها.
لقد أثبتت التجربة أن المليشيا تستطيع أن تخطف دولة، لكنها لا تستطيع أن تبني دولة. تستطيع أن تفرض الجباية، لكنها لا تستطيع أن تصنع اقتصاداً. تستطيع أن تطلق الصواريخ، لكنها لا تستطيع أن تمنح اليمن أمناً. وتستطيع أن ترفع شعارات المقاومة، لكنها لا تستطيع أن تجعل التبعية للخارج استقلالاً.
المعركة الحقيقية في اليمن إذن ليست على باب المندب وحده. إنها على من يملك قرار اليمن.
إذا بقي القرار بيد المليشيا، سيظل باب المندب معرضاً لأن يكون جبهة إيرانية، وسيظل البحر الأحمر رهينة لتقلبات الصراع الإقليمي، وسيظل اليمنيون يدفعون ثمن حرب لا تنتهي.
أما إذا عاد القرار إلى الدولة، فإن باب المندب يمكن أن يعود إلى وظيفته الطبيعية: بوابة يمنية إلى العالم، لا منصة حرب للعالم على حساب اليمن.
هذه هي المعادلة التي يجب ألا تضيع وسط ضجيج الشعارات.

اليمن لا يحتاج إلى من يقاتل العالم باسمه.
اليمن يحتاج إلى دولة تحميه من أن يصبح ساحة لحروب الآخرين.
وباب المندب لا يحتاج إلى مليشيا تتلقى تعليماتها من الخارج، بل إلى دولة يمنية تستعيد سيادتها وتفتح المضيق أمام التجارة والسلام، لا أمام الصواريخ والحروب.