تعز ليست جبهةً أخرى

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

هناك لحظات في حياة الدول لا يعود فيها الصمت حيادًا، ولا يصبح الانتظار مجرد تأخير، إنما يتحولان إلى مسؤولية وقرار وعنوانٍ واضح للعجز. واليمن يقف اليوم أمام واحدة من أخطر هذه اللحظات، وهي لحظة لا تحتمل المراوغة ولا البيانات المكررة، لأن ما يجري في تعز يتجاوز حدود معركة عابرة، ويمس جوهر الدولة وقدرتها على حماية مدنها وطرقها ومواطنيها.
ما يحدث في تعز ليس مجرد جولة جديدة من جولات الحرب، ولا معركة حدودية يمكن التعامل معها باعتبارها شأنًا عسكريًا عابرًا.
تعز مدينة دفعت ثمنًا باهظًا من دمها وأمنها واقتصادها وذاكرة أبنائها، وظلت طوال سنوات الحرب إحدى أكثر المدن اليمنية ارتباطًا بفكرة الدولة وبالمعنى السياسي للمقاومة الوطنية.
التطورات الأخيرة حول المحافظة والطرق المؤدية إليها تجعل قضية الإمداد والاتصال أكثر خطورة من مجرد السيطرة على موقع عسكري هنا أو جبل هناك ،فقد شهدت الأسابيع الأخيرة تصعيدًا حول الممرات الحيوية المؤدية إلى تعز، وسط تقارير عن محاولات للضغط على طرق الإمداد الرئيسية وعزل المدينة عن محيطها. كما أفادت تقارير بأن القوات الحكومية صدت هجمات حوثية على طريق حيوي يربط تعز بالمحافظات الجنوبية و البحرين الاحمر و العربي.
وهنا تحديدًا ينبغي أن يتوقف المسؤولون أمام السؤال الحقيقي.
هل يريدون الدفاع عن تعز، أم إدارة سقوطها؟
فالمدينة لا تحتاج إلى بيانات تضامن جديدة، ولا تحتاج إلى اجتماعات افتراضية جديدة. ولا تحتاج إلى مسؤول يكتب من هاتفه رسالة طويلة على واتساب عن صمود تعز، بينما الجبهة تنتظر قرارًا، والمقاتل ينتظر ذخيرة، والمواطن ينتظر طريقًا آمنًا، والأسرة تنتظر أن تعرف أين ستذهب غدًا.
الدولة لا تُدار من خلف الشاشات.
الحروب لا تُحسم بالتصريحات.
والجبهات لا تنتصر بكثرة مجموعات واتساب.
هذه ليست دعوة إلى أن يحمل السياسيون السلاح أو أن يتحول المدنيون إلى جنود إنها دعوة إلى أبسط معنى للمسؤولية: أن يتحول القرار السياسي إلى قرار عسكري منظم، وأن تتحول الموارد إلى إمداد، وأن تتحول الاجتماعات إلى أوامر واضحة، وأن يعرف المقاتل والمواطن أن وراءه دولة ترى المعركة وتفهم خطورتها وتتصرف قبل أن يصبح الوقت متأخرًا.
لقد خذلت القوى الوطنية اليمنية بعضها بعضًا مرات كثيرة، ودفعت المدن والمناطق ثمن خلافات النخب، فيما ظل المسؤولون يتنقلون بين العواصم والمنصات، بينما بقي المواطن في مكانه، يواجه الحرب وانهيار العملة وانقطاع الخدمات والخوف على أبنائه.
والآن، يبدو أن التاريخ يعيد السؤال نفسه ولكن بكلفة أعلى،
هل ستُخذل تعز مرة أخرى؟
ليس المقصود هنا اتهام كل مسؤول أو كل سياسي بالخيانة أو التآمر؛ فهذا تبسيط لا يخدم الحقيقة،لكن من حق الناس أن يسألوا عن النتائج، من حق الجندي أن يسأل أين كانت القيادة عندما احتاجها؟ ومن حق المواطن أن يسأل أين ذهبت الموارد؟ ومن حق تعز أن تعرف لماذا يتكرر خطر الحصار كلما تغيرت موازين الحرب؟
في السياسة، النوايا لا تكفي. الذي يُقاس هو الفعل.
والمشهد الميداني الحالي يستحق التعامل معه بهذه القاعدة، الأمم المتحدة حذرت في سبتمبر من أن تصاعد القتال في تعز ومناطق أخرى تسبب في نزوح آلاف الأسر، بينما أفادت منظمة الصحة العالمية لاحقًا بأن التصعيد الأخير تسبب في سقوط آلاف الضحايا ونزوح أكثر من 122 ألف شخص في ثماني محافظات، مع تسجيل عبء كبير من الخسائر في تعز ومأرب والسبب الرئيسي من وجهة نظري سوء ادارة الحرب و الدولة
لذلك فإن معركة تعز ليست مسؤولية تعز وحدها.

إنها امتحان للقيادة السياسية والعسكرية في المناطق المناهضة لمليشيا الحوثي، امتحان لقدرتها على فهم أن الجغرافيا لا ترحم الأخطاء، وأن الطريق الذي يُفقد اليوم قد يحتاج استعادته غدًا إلى آلاف الأرواح،والأخطر أن تعز ليست نهاية الخريطة.
إذا تمكنت مليشيا الحوثق من إحكام السيطرة على طرق الإمداد وعزل تعز، فإن آثار ذلك لن تتوقف عند حدود المدينة، ستتغير حسابات الجبهات والممرات والموانئ والساحل، وستصبح محافظات أخرى أمام ضغط أكبر. ومأرب، بما تمثله من ثقل عسكري واقتصادي وسياسي، لا يمكن التعامل معها باعتبارها جزيرة منفصلة عن هذه التحولات.
لكن علينا أيضًا أن نكون دقيقين: الحديث عن أن سقوط تعز سيؤدي حتمًا إلى سقوط مأرب ليس حقيقة محسومة؛ إنها نتيجة محتملة تعتمد على تطورات الميدان وقدرة القوات المناهضة للحوثيين على الحفاظ على طرق الإمداد وتنسيق الجبهات وبناء دفاع فعال، وقد سجلت الأمم المتحدة بالفعل مواجهات وتحركات عسكرية في مأرب وغيرها بالتزامن مع التصعيد الأخير
ولهذا، فإن اللحظة لا تحتمل المبالغة، لكنها أيضًا لا تحتمل الاستهانة.
المطلوب ليس خطابات وطنية أكثر، بل دولة أكثر،المطلوب قيادة تعرف أين تقاتل، ولماذا تقاتل، وما الذي تحتاجه كل جبهة، وكيف تحمي خطوط الإمداد، وكيف تمنع انهيار الجبهات بعضها خلف بعض والمطلوب قبل كل شيء أن تتوقف النخب عن التعامل مع اليمن كغنيمة سياسية متجددة.
لقد استفاد كثيرون من الدولة عندما كانت الدولة سخية معهم، ثم اكتشفوا فضيلة المعارضة عندما أصبحت السلطة عبئًا، ثم عادوا إلى مواقع القرار حين تبدلت الظروف. لكن اليمن لم يعد يحتمل دورة جديدة من هذا النوع.
هذه البلاد ليست ملكًا للنخب ،ليست ملكًا للأحزاب ،وليست ملكًا لمن عاشوا داخل السلطة أو خارجها..إنها ملك لمواطن يمني دفع ثمن الحرب من عمره ورزقه وأمنه وأطفاله، ومن حقه أن يرى دولة لا تكتفي بإصدار البيانات عندما تبدأ الكارثة.
تعز اليوم تقول شيئًا بسيطًا، لكنه شديد القسوة: لا تتركوا المدينة وحدها ،ليس لأن تعز أهم من اليمن، بل لأنها جزء من اليمن الذي يريد أن يبقى دولة ،ومن يظن أن المدن تسقط دفعة واحدة لا يعرف كيف تسقط الدول. الدول لا تنهار فقط عندما تُرفع راية الخصم فوق مبنى حكومي؛ تنهار حين يعتاد المسؤولون على الخسارة، وحين يصبح فقدان الطريق خبرًا عاديًا، وسقوط الموقع مجرد رقم جديد، ونزوح الناس فقرة في بيان.
اليمن لا يحتاج إلى وجوه جديدة لمجرد أنها جديدة، ولا إلى وجوه قديمة لمجرد أنها تعرف دهاليز السياسة. يحتاج إلى معيار مختلف تمامًا: من يستطيع أن يتحمل المسؤولية، ومن يستطيع أن يحول القرار إلى فعل، ومن يستطيع أن يضع مصلحة الدولة فوق حسابات النفوذ.
أما الذين يكتفون بإدارة المشهد من خلف الشاشات، فعليهم أن يدركوا أن شاشة الهاتف لا تحمي مدينة، وأن الرسائل الطويلة لا تفتح طريقًا، وأن الوطنية ليست صورة تُنشر في لحظة الخطر.
الوطنية الحقيقية تبدأ عندما يصبح القرار مكلفًا،وعندما يكون إنقاذ الناس أهم من إنقاذ المواقع السياسية ،وعندما يفهم صاحب المنصب أن التاريخ لا يسأل عما قاله في اجتماع مغلق، بل يسأله عما فعله عندما كانت المدينة تستغيث.
تعز لا تطلب معجزة..تطلب دولة،وهذا، في الحقيقة، هو الاختبار الأصعب والأكثر إلحاحًا أمام كل من يتصدر المشهد اليمني اليوم.