مليشيا الحوثي الإيرانية تغرق مناطق سيطرتها في أزمة سيولة خانقة.. أموال المواطنين رهينة القيود المصرفية وأسعار الصرف
تتفاقم أزمة السيولة النقدية في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي الإيرانية، وسط تصاعد الشكاوى من القيود المفروضة على سحب الأموال وصرف الحوالات، وارتفاع الأعباء المالية على المواطنين الذين باتوا يواجهون صعوبات متزايدة في الوصول إلى مدخراتهم ومستحقاتهم، في مشهد يعكس حجم الاختلالات التي تضرب القطاع المصرفي، ويكشف عن عجز السلطات القائمة عن توفير المعالجات اللازمة للأزمة المتصاعدة.
وتأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه السكان من تدهور الأوضاع المعيشية وتراجع القدرة الشرائية، لتضيف أزمة السيولة مزيدًا من الضغوط على الأسر والتجار والموظفين، وتحول الحصول على الأموال المرسلة من الأقارب أو المودعة في البنوك إلى معاناة يومية، في ظل إجراءات تفرضها شركات صرافة ومؤسسات مالية للحصول على النقد، وفق إفادات نقلها موقع «النقار» عن مواطنين ومصادر مصرفية.
وأفاد مواطنون في صنعاء والحديدة بأن شركات صرافة تمتنع عن صرف الحوالات التي تتجاوز قيمتها 100 ألف ريال، وتطالب المستفيدين باستلامها بالريال السعودي أو الدولار الأمريكي، وفق أسعار صرف تصل إلى 142 ريالًا مقابل الريال السعودي الواحد، و538 ريالًا مقابل الدولار، وهي أسعار تتجاوز المستويات التي أوردها التقرير بوصفها معتمدة لدى البنك المركزي، والبالغة 140 ريالًا للسعودي و532 ريالًا للدولار.
وتضع هذه الممارسات المستفيدين أمام خيارات محدودة، إذ يجد المواطن نفسه مضطرًا إلى قبول شروط الصرف المفروضة عليه أو مواجهة صعوبات في استلام حوالته، حتى عندما تكون الأموال مخصصة لتغطية الاحتياجات الأساسية لأسرته. وفي ظل الظروف الاقتصادية القاسية، تصبح الفوارق في أسعار الصرف عبئًا إضافيًا يستنزف جزءًا من قيمة الأموال، ويزيد معاناة المواطنين الذين لا يملكون بدائل مصرفية مناسبة.
ولا تقف تداعيات الأزمة عند شركات الصرافة، بل تمتد إلى البنوك التجارية التي فرضت، بحسب إفادات مودعين نقلها الموقع، قيودًا على السحب النقدي لا تتجاوز 30 ألف ريال يوميًا، إلى جانب اشتراط تحويل المبالغ المراد سحبها إلى الريال السعودي أو الدولار الأمريكي بأسعار تصل إلى 141 ريالًا للسعودي و535 ريالًا للدولار.
وتثير هذه القيود تساؤلات جدية بشأن قدرة المؤسسات المصرفية في مناطق سيطرة المليشيا على تلبية احتياجات عملائها، خصوصًا أن الأموال المودعة لدى البنوك تمثل مدخرات يعتمد عليها المواطنون في مواجهة متطلبات الحياة اليومية. كما أن إجبار العملاء على تحويل أرصدتهم إلى عملات أخرى للحصول على أموالهم يضعهم أمام خسائر محتملة، ويقوض الثقة بالقطاع المصرفي، في وقت يفترض فيه أن تعمل المؤسسات المالية على حماية أموال المودعين وتيسير حصولهم عليها، لا زيادة العقبات أمامهم.
وفي تطور يزيد المشهد تعقيدًا، أشار التقرير إلى توقف السحب النقدي من بعض أجهزة الصراف الآلي المرتبطة بالمحافظ الإلكترونية، التي يتعامل عدد منها مع بنك اليمن والكويت وبنك التسليف التعاوني والزراعي «كاك بنك»، بالتزامن مع تقليص السحب لعملاء البنوك إلى 15 ألف ريال يوميًا، وحصر عمليات السحب في أجهزة محددة بعد إغلاق عدد من الأجهزة الأخرى.
وتعني هذه الإجراءات أن أزمة السيولة لم تعد مشكلة محصورة في شركات الصرافة أو فروع البنوك، بل أصبحت تمس قنوات متعددة يعتمد عليها المواطنون في إدارة أموالهم وإنجاز معاملاتهم. كما أن تقليص السحب وإغلاق الأجهزة وتقييد استخدام المحافظ الإلكترونية يزيد صعوبة الوصول إلى النقد، ويعطل مصالح الأفراد والتجار، ويفرض على المواطنين بذل مزيد من الوقت والجهد للحصول على مبالغ قد تكون ضرورية لتأمين الغذاء والدواء والإيجارات وغيرها من الالتزامات الأساسية.
وفي الوقت الذي تتسع فيه هذه المعاناة، قال مصدر مقرب من جمعية الصرافين في صنعاء اتهامات بوجود عمليات سحب نقدي تنفذها جهات نافذة داخل مليشيا الحوثي الإيرانية منذ سبتمبر الماضي، تحت مبرر تمويل المجهود الحربي. وبحسب المصدر، ارتبطت هذه العمليات باستخدام الأموال في عمليات استبدال العملة القديمة بالجديدة في السوق السوداء بالمناطق التي سيطرت عليها المليشيا مؤخرًا في الحديدة وتعز.
وأشار المصدر إلى أن سعر صرف الألف ريال من العملة القديمة تجاوز 3,500 ريال من الطبعة الجديدة في تلك المناطق، وهو ما يعكس، وفق إفادته، حجم الاضطراب الذي تشهده التعاملات النقدية واتساع الفجوة بين أسعار تداول العملتين.
وإذا صحت هذه الاتهامات، فإن توجيه السيولة نحو أغراض عسكرية أو عمليات مالية تخدم مصالح جهات نافذة، بدلًا من ضمان استقرار المعاملات وحماية أموال المواطنين، يمثل أحد أخطر أوجه الخلل في إدارة الموارد النقدية. فالمواطن الذي يعجز عن سحب مدخراته أو استلام حوالته لا يعنيه تبرير الأزمة بتمويل المجهود الحربي أو غيره من المبررات، بقدر ما يعنيه أن يتمكن من الحصول على أمواله دون عراقيل أو اقتطاعات غير مبررة.
وتواجه مليشيا الحوثي الإيرانية، في ظل هذه التطورات، انتقادات متزايدة بشأن أولوياتها الاقتصادية والمالية، خصوصًا مع استمرار تدهور الظروف المعيشية واتساع القيود التي تطال معاملات المواطنين. فبدلًا من تقديم حلول فعالة لأزمة السيولة، يجد السكان أنفسهم أمام إجراءات تحد من قدرتهم على التصرف في أموالهم، بينما تتزايد المخاوف من أن يتحمل المواطنون وحدهم كلفة الاختلالات الناجمة عن السياسات المالية المتبعة في مناطق سيطرة المليشيا.
وتتعمق الأزمة، بحسب المصدر المقرب من جمعية الصرافين، مع عدم ضخ نصف المرتب منذ شهرين عبر البريد و«كاك بنك»، الأمر الذي أسهم في تقليص السيولة المتداولة داخل السوق. ويؤدي تأخر صرف المستحقات المالية، بالتزامن مع القيود المصرفية، إلى إضعاف حركة البيع والشراء، والحد من قدرة الأسر على الإنفاق، وزيادة الضغوط على التجار الذين يعتمدون على التدفقات النقدية اليومية لتسيير أعمالهم.
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن التداعيات الأوسع لاستمرار الاختلالات المالية في مناطق سيطرة المليشيا؛ إذ إن تقييد السحب وتأخير المستحقات وفرض شروط إضافية على صرف الحوالات عوامل تؤثر بصورة مباشرة في النشاط التجاري، وتزيد حالة عدم اليقين لدى المودعين، وتدفع المواطنين إلى البحث عن بدائل خارج القنوات المصرفية الرسمية، بما قد يفاقم اضطراب السوق ويضعف الثقة بالمؤسسات المالية.
وفي مؤشر على خطورة الوضع،و كشف مصدر مصرفي أن جمعية البنوك في صنعاء وجهت تحذيرات إلى اللجنة الاقتصادية العليا التابعة لمليشيا الحوثي الإيرانية بشأن استمرار أزمة السيولة، وطالبت باتخاذ إجراءات تحد من تفاقمها. غير أن المصدر أفاد بأن اللجنة أبلغت الجمعية بتوجهها إلى البدء بصرف معاشات المتقاعدين، معتبرًا أن هذه الخطوة لن تكون كافية لمعالجة الأزمة، حتى بصورة جزئية مؤثرة.
ويعكس هذا التحذير حجم القلق داخل القطاع المصرفي من استمرار الأزمة دون إجراءات جذرية تعيد السيولة إلى السوق وتضمن انتظام المعاملات النقدية. فصرف معاشات المتقاعدين، على أهميته بالنسبة إلى المستفيدين، لا يعالج وحده الأسباب التي أدت إلى شح النقد، ولا يضمن إنهاء القيود المفروضة على السحب، ما لم يترافق مع تدابير أوسع تعالج الاختلالات في إدارة الأموال وتعيد الثقة إلى البنوك وشركات الصرافة.
وتكشف الأزمة، في مجملها، عن واقع اقتصادي شديد الهشاشة يدفع المواطن ثمنه من مدخراته واحتياجاته اليومية، في ظل تضييق متزايد على الوصول إلى النقد وتعدد الشكاوى من شروط الصرف والتحويل. كما تضع الاتهامات المتعلقة باستخدام السيولة في تمويل المجهود الحربي الجهات المعنية أمام تساؤلات حول أولويات الإنفاق وآليات إدارة الموارد، ومدى مراعاة الاحتياجات الأساسية للسكان.
وبينما تتزايد القيود على الحوالات والسحب النقدي، تظل الحاجة ملحة إلى إجراءات واضحة تعالج أزمة السيولة، وتضمن حقوق المودعين والمستفيدين من الحوالات، وتضع حدًا للممارسات التي تثقل كاهل المواطنين. أما استمرار الوضع الراهن، فينذر بمزيد من التراجع في الثقة بالقطاع المصرفي، وتفاقم الضغوط على النشاط الاقتصادي، واتساع معاناة السكان الذين باتوا يواجهون صعوبة في الوصول إلى أموالهم في وقت هم فيه بأمس الحاجة إليها.
وفي المحصلة، فإن تحميل المواطنين تبعات أزمة السيولة، وتركهم يواجهون القيود المصرفية وفوارق أسعار الصرف دون حلول ملموسة، يعمق الأزمة المعيشية ويزيد السخط الشعبي. وتبقى المسؤولية قائمة على الجهات المسيطرة لتوضيح أسباب شح النقد، والرد على الاتهامات المتعلقة بإدارة السيولة، واتخاذ خطوات عملية تضمن عدم تحويل أموال المواطنين ومستحقاتهم إلى ضحايا إضافيين للصراع والاختلالات المالية.