تلاحم حضرمي شبواني يغتال مشاريع الخراب
لم تكن جريمة استهداف «معسكر العلم» التدريبي في محافظة شبوة مجرد حادث أمني ، بل كانت جرحًا عميقًا نازفًا أيقظ في الوجدان شعورًا حادًا بالفجيعة.. وحين تئن الصفحات والمنصات، وتتداعى المشاعر الوطنية حزنًا وألمًا على سقوط أكثر من مئتين وخمسين مجندًا بين شهيد وجريح، تتكشف قسوة هذه الجريمة الآثمة.. غير أن الصدمة، مهما بلغت قسوتها، غالبًا ما تمتحن معادن المجتمعات؛ فإما أن تكسرها النكبات، أو أن توقظ فيها طاقات التضامن الحي والمؤثر.
وفي خضم هذه الصدمة، أثبتت السلطات المحلية في محافظة شبوة، ومعها الجارة الوفية حضرموت، أن روح المؤسسات والمجتمعات الحية لا تلين. فقد استنفرت شبوة طاقاتها للتعامل مع التداعيات المأساوية للموقف، بينما جاءت الاستجابة الفورية من حضرموت لتشكل ملحمة إنسانية فريدة تليق بعمق الروابط التاريخية والجغرافية بين المحافظتين، مؤكدة أن الأواصر التي تجمع بينهما تتجاوز الأطر البيروقراطية إلى رحاب الانتماء والمصير الواحد.
ولم تقتصر الاستجابة الحضرمية على لغة البيانات الرسمية والشجب المعتاد، بل تُرجمت على الأرض إلى أفعال ومواقف عملية؛ فقد غصت مراكز التبرع بالدم بأفواج غفيرة من المواطنين المتطوعين في مشهد يعكس أصالة النسيج الاجتماعي وقدرته الفائقة على الاستجابة لنداء الواجب الأخوي.. كما سارع المسؤولون وقيادات بعض المكونات في حضرموت لتفقد الجرحى في مستشفيات المكلا، والمساهمة في توفير الاحتياجات العلاجية، ومواساة أهالي الضحايا.
وتسّقت هذه التحركات الشعبية والعفوية بانسجام لافت مع التوجيهات الرسمية الصادرة عن عضو مجلس القيادة الرئاسي محافظ حضرموت، الأستاذ سالم أحمد الخنبشي، والقاضية بتسخير الإمكانيات وتقديم التسهيلات الإسعافية والعلاجية العاجلة.. واستنفرت المؤسسات الطبية والمركز الوطني لنقل الدم وأبحاثه لتلبية نداء الطوارئ، متوازية مع إطلاق دعوة عامة للمواطنين للمسارعة في التبرع بالدم، وهو ما أثمر عن إعلان حالة طوارئ مجتمعية ورسمية متكاملة.
هذا التناغم الواضح بين القرار الرسمي والنبض الشعبي أسس لنموذج رفيع في إدارة الأزمات، تجلى جليًا في موقف «مؤتمر حضرموت الجامع» وعدد من الكيانات والمكونات الفاعلة التي أعلنت وقوفها الداعم إلى جانب أبناء شبوة في هذه المحنة الأليمة، انسجامًا مع روابط الأخوة والدم والوشائج المشتركة التي هي أصلب من أن تقصمها رياح السياسة المتقلبة أو غدر الاستهدافات الإرهابية.
إن مجزرة «معسكر العلم» تترك في الحلق غصة مريرة، وتفرض على الجميع - سلطات ومجتمعًا ونخبًا - تعزيز اليقظة الأمنية، وردم الفجوات، وتحصين الجبهات الداخلية ضد الاختراق.. غير أن الرد الأبلغ على لغة الدم والعنف يظل كامنًا في تلك الصور المضيئة للتكاتف المجتمعي والتلاحم الأخوي بين شبوة وحضرموت؛ فحين يمتزج الدم على أسرة الشفاء في المكلا، يرتفع النداء الوطني واضحًا وجليًا ؛ إن الإرادة الإنسانية والروابط المصيرية أبقى وأصلب من كل مشاريع الموت والخراب.