تعز تُسقط رهان الحوثيين.. من حصار المدينة إلى انكسار الهجوم
تعز ليست مدينة تُؤخذ بالحصار، ولا جبهة تحسم باختراق عابر. هكذا تتجلى معادلة المواجهة في تعز، بعدما راهنت جماعة الحوثي على التقدم عبر جبهات الساحل الغربي والحجرية وجبل حبشي، وتطويق المدينة وعزلها عن شريان إمدادها الرئيسي عبر طريق التربة – طور الباحة – لحج – عدن، في محاولة لفرض واقع عسكري جديد ووضع تعز تحت ضغط خانق من مختلف الاتجاهات.
لم يكن وصول القوات الحوثية إلى مشارف المدينة، وتحديداً إلى محيط نقطة الهنجر الاستراتيجية ومنطقة الضباب غرباً والاقروض والمسراخ جنوباً، مجرد تقدم ميداني عابر، بل مثّل اختباراً حقيقياً لقدرة تعز على الصمود في مواجهة هجوم واسع استهدف تضييق الخناق عليها وقطع خطوط إمدادها. غير أن حسابات الميدان اصطدمت بواقع مختلف؛ مدينة لم تستسلم لضغط الحصار، وقوات مدافعة تماسكت واستعادت زمام المبادرة، ومقاومة شعبية من شباب المدينة وأبناء القبائل وقفت جنباً إلى جنب مع القوات الحكومية دفاعاً عن تعز ومناطقها.
ومع احتدام المعارك على مدى أسابيع، لم تنجح موجة الاندفاع الأولى في حسم المواجهة. فقد أسهم التنسيق بين القوات الحكومية والمقاومة الشعبية في تثبيت خطوط الدفاع في المرتفعات والمواقع الحاكمة، واحتواء الهجمات في جبهات صبر والمسراخ وغرب المدينة، وصولاً إلى الانتقال من وضعية الدفاع إلى الهجوم المضاد.
وكان التحول الأبرز في مسار العمليات العسكرية هو الانتقال من مجرد صد التقدم الحوثي واحتواء هجماته إلى استعادة مواقع استراتيجية وتنفيذ عمليات مضادة في عدد من المحاور، بالتزامن مع غارات جوية استهدفت مواقع الجماعة في جبهات المواجهة المختلفة. وهو تحول أعاد رسم ملامح المواجهة ميدانياً، وأوقف اندفاع القوات المهاجمة في عدد من المواقع.
لقد تعثر الرهان على إخضاع تعز بالحصار، واصطدمت حسابات التقدم العسكري بتماسك المدافعين وإرادة المجتمع المحلي. لكن هذا التحول، على أهميته، لا يعني أن المعركة انتهت، ولا أن مخاطر الحصار وقطع الإمدادات قد زالت؛ فالمواجهة لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة، فيما تبقى حماية المدينة وتأمين طرقها مسؤولية تتطلب تحركاً يتجاوز حدود الدفاع داخل الجبهات المحاصرة.
لقد أثبتت تعز أن تماسك الجبهة الداخلية هو خط الدفاع الأول، وأن وحدة الصف قادرة على إفشال رهانات الاختراق والانهيار. فالتلاحم بين القوات الحكومية والمقاومة الشعبية وأبناء القبائل والمكونات السياسية والاجتماعية شكل ركيزة أساسية في الصمود، وأكد أن الدفاع عن المدينة مسؤولية جماعية لا يمكن اختزالها في طرف واحد.
غير أن هذا الصمود، مهما بلغت قوته، لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لاستمرار تحميل تعز وحدها كلفة المواجهة. وهنا تبرز مسؤولية القيادة الشرعية، التي باتت مطالبة بالانتقال من الإشادة بتضحيات أبناء المدينة إلى تقديم إسناد فعلي يتناسب مع حجم التحديات، ويترجم المواقف والتصريحات إلى خطوات عملية على الأرض.
إن المطلوب اليوم هو تحرك جاد لتعزيز جبهات تعز بالإمكانات اللازمة، وتوحيد الجهد العسكري، وفتح جبهات مساندة في المحاور الأخرى، وتوجيه القوات القادرة على التحرك من خارج المدينة للضغط على مواقع الحوثيين والعمل على فك الحصار واستعادة طرق الإمداد والمنافذ الحيوية، بالتنسيق مع القوات المدافعة داخل المدينة، بما يخفف الضغط عنها ويمنحها فرصة لاستعادة المبادرة.
فك الحصار عن تعز يجب أن يتحول إلى أولوية وطنية وعسكرية لا تقبل التأجيل. فلا يجوز أن تظل المدينة تراهن على صمود أبنائها وحدهم، بينما تمتلك القيادة الشرعية مسؤولية حشد الإمكانات وتنسيق الجهود وتوسيع نطاق التحرك لإسنادها. فالمعركة لا تُحسم بالدفاع وحده، ولا تكفي فيها شجاعة المقاتلين في الخنادق؛ بل تحتاج إلى قرار مسؤول، وخطة متكاملة، وتكامل بين الجبهات، وإرادة سياسية تضع تحرير طرق الإمداد وحماية المدنيين في صدارة الأولويات.
إن تعز لا تحتاج إلى مزيد من عبارات الثناء بقدر ما تحتاج إلى موقف بحجم تضحياتها، وإسناد يوازي صمودها، وتحرك يعيد وصلها بمحيطها ويضع حداً لمعاناة سكانها. لقد أثبت أبناؤها أنهم قادرون على الصمود ومواجهة الهجمات، ويبقى على القيادة الشرعية أن تثبت أن هذا الصمود ليس معركة تُترك لأصحابها وحدهم، بل مسؤولية وطنية تتشارك فيها مؤسسات الدولة والقوى العسكرية والسياسية كافة.