يحاكمون الشهداء لأنهم عجزوا عن حماية الأحياء… من التفريط بالسيادة إلى اغتيال التاريخ!
في زمنٍ تتراجع فيه السيادة العربية وتتسع فيه دوائر النفوذ الأجنبي، يبدو أن بعض شاشاتنا وجدت في نبش الماضي معركةً أسهل من مواجهة إخفاقات الحاضر.
لماذا يُستدعى زعماء الأمس إلى محاكمات إعلامية متأخرة، ومن المستفيد من تشويه إرثهم في لحظة عربية بالغة الضعف؟
إن تأمل الواقع العربي المتردي اليوم يكشف بوضوح عن بون شاسع بين ذاكرة الأمس القريب، حيث كانت هيبة الدول وموازين القوى تُحسب بمقاييس الكرامة والسيادة، وبين حاضر تتطاول فيه إسرائيل وامريكا و دول اوروبية تضرب عواصم عربية كسماء صنعاء وبيروت ودمشق بلا رادع، وتمرح بوارجها العسكرية في البحر الأحمر وخليج عدن دون حسابات باهظة.
لقد ولت تلك الحقبة التي حفظت شيئاً من كرامة الإقليم، حين كانت القوى الكبرى، تتعامل مع الجغرافيا العربية وممراتها بحسابات دقيقة تفرضها يقظة سياسية وطود رادع يحمي العواصم ويصون كرامة المواطن العربي من أي مهانة أو عدوان مباشر.
أما اليوم، فإن تراجع منظومة التضامن وتآكل القدرة على الفعل والانكشاف السياسي المروع هو الذي أغرى تلك الأجسام والأذرع بالتطاول على رموز الأمة وتاريخها، مستغلة حالة الشتات غير المسبوقة، فباتت بعض القنوات التلفزيونية منصات مشبوهة لتصفية الحسابات والإساءة إلى زعماء عرب عظام نالوا الشهادة وهم يناضلون لنصرة الأمة وقضاياها العادلة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، متجاوزة حدود حرية الرأي المزعومة إلى استهداف ممنهج يخفي وراءه أجندات تخدم العدو وتغطي الوهن الذي وصلنا الية.
لم يعد المشهد عبثياً بل مقصوداً بعناية حين تُفتح الشاشات لشخصيات تحولت إلى مومياوات أكل الدهر عليها وشرب، نفض عنها الغبار من مقابر النسيان السياسي لتقدم نفسها كشاهد زور على مرحلة لم تكن تملك فيها سوى التصفيق أو الهروب والارتهان، بهدف إحداث اغتيال معنوي لعمالقة رحلوا بأجسادهم وبقيت مواقفهم الشامخة تحاصر صغار الحاضر وأقزامه.
لقد كانت تلك القيادات التاريخية الحصن المنيع والدروع الحامية للأمة ومعاقل العقيدة والمقدسات، استشهدوا واقفين كالجبال ولم يساوموا على فلسطين فكانت بوصلتهم المطلقة، ولم يبيعوا سيادة أوطانهم في سوق المساومات الخاسرة، مدركين بيقين مطلق أن كرامة المواطن من كرامة الوطن، وأن الأمن القومي العربي كل لا يتجزأ، فبأي حق يأتي اليوم من كان على هامش التاريخ ليتطاول عمن حافظوا على سيادة دولهم وكرامة شعوبهم؟
إن استدعاء جثامين الزعماء الراحلين لجلدها على الهواء مباشرة عبر أدوات إعلامية مأجورة وأصوات نخرت فيها عظام العمالة، ليس سوى محاولة بائسة لتغطية عجز وفشل أقزام المشهد الذين لم يحققوا لشعوبهم سوى مزيد من الفقر والقمع والتبعية، إذ حين يفشل الحاضر في تقديم أي منجز، يصبح تشويه الماضي وتزييف الوعي هو المنجز الوحيد لتكريس ثقافة الانبطاح وجعلها معياراً للهوان.
تكفي تساؤلات بسيطة لنسف كل هذا الهراء وتعرية هذا السقوط الإعلامي؛ فهل كانت إيران تجرؤ مجرد حلم على التدخل في أربع عواصم عربية وزرع ميليشياتها وإدارة حروبها بالوكالة في عهد أولئك الزعماء الأبطال حيث كانت طهران تعرف حدودها تماماً ويُقابل أي تدخل برد يزلزل الأرض تحت أقدام عملائها
بلا حوثي يهدد الملاحة ولا ميليشيات طائفية تعبث ببغداد وصنعاء ودمشق وبيروت؟ وهل كانت إسرائيل تجرؤ على قصف اليمن وسوريا والعراق بهذه الوقاحة اليومية لو كان سيف الردع والقرار السيادي حاضراً؟ إن ما يجري على تلك الشاشات هو عملية غسيل وعي ممنهجة لن تنطلي أبداً على أمة حرة تفرق جيداً بين من نذر حياته لعزتها ومن يعيش متكسباً على أشلاء كرامتها وسيادتها.