محاسبة الخونة طريقنا لاستعادة الدولة

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

في خضم المعاناة الطويلة التي يعيشها الشعب اليمني، وفي ظل الدمار الذي اجتاح مدنه وقراه، يبرز سؤال مؤلم يردده اليمنيون في كل مكان: لماذا تراجعت بعض القيادات العسكرية عن مواقعها في اللحظات الحاسمة، وفتحت الأبواب أمام الزحف الحوثي الذي أدى إلى سقوط مناطق واسعة، وزاد من معاناة الأهالي؟ هل هناك تخادم سري بين جماعات الإسلام السياسي، أم أن ذلك يعود إلى المناكفات السياسية بين القوى؟

لقد كان الشعب ينتظر من قياداته العسكرية الصمود والثبات، فهم الذين أقسموا على حماية الوطن والشعب، والدفاع عن سيادة الدولة. لكن في لحظات كانت فيها الأقدار تتأرجح، اختارت فئة من هؤلاء القادة الانسحاب المفاجئ غير المبرر، وتركوا الجنود في الميدان دون دعم أو توجيه، والمدن دون حماية.

يرى الكثير من اليمنيين أن هذا التراجع لم يكن مجرد خطأ في التقدير أو سوء تخطيط، بل كان تخليًا عن الواجب الوطني، وخيانة لقسم الولاء للوطن، وتضحية بمصير ملايين اليمنيين لصالح مصالح ضيقة أو أجندات خارجية.

لقد دفع ثمن هذا الانسحاب الآلاف من الأبرياء: من أمهات فقدن أبناءهن، ومن أطفال أصبحوا لاجئين في أراضيهم، ومن عائلات دُمّرت مساكنها، وضاعت سبل عيشها. كل هذه الخسائر ليست مجرد مصادفات في الحرب، بل هي نتاج قرارات اتخذتها قيادات كانت تملك المسؤولية والسلطة، واختارت الفرار بدلًا من الصمود.

ومن هنا يأتي المطلب الوطني الواضح: لا يمكن أن تبدأ عملية إعادة بناء الدولة واستعادة سيادتها دون محاسبة من تسببوا في هذه الكارثة. فلا يجوز أن يبقى من تخلى عن جبهاته وترك شعبه في مهب الخطر في مناصب الشرف والمسؤولية، أو أن يتنقل بحرية كأن شيئًا لم يكن. يجب فتح تحقيقات عسكرية وطنية شفافة لا تستثني أحدًا، لفرز من كان له عذر حقيقي، كالنقص الشديد في الإمدادات أو الظروف القتالية الصعبة، ممن ثبت عليه التخلي العمدي والتراجع المتعمد. ومن ثبتت عليه تهمة الخيانة العسكرية، يجب أن يُقدَّم أمام القضاء العسكري لينال عقابه، وفقًا للقوانين المعمول بها، ليكون ذلك عبرة لمن يفكر في تكرار مثل هذه الأفعال في المستقبل.

ولكن لا ينبغي أن يفهم أحد أن المطالبة بالمحاسبة تعني تصفية الحسابات السياسية، أو استهداف كل من ارتكب خطأ في ظروف الحرب الصعبة. فالخطأ في التقدير العسكري شيء، والخيانة العمدية والتخلي عن الواجب شيء آخر، والفرق بينهما كبير. فالهدف الأساسي من المحاكمة هو إعادة هيبة الجيش اليمني، ورد الثقة بين الشعب ومؤسساته، وفرض مبدأ أن المسؤولية لا تسقط بالتقادم، وأن من يقسم على الدفاع عن الوطن لا يجوز له أن يتركه في ساعة الخطر.

إن استعادة الدولة لا تتحقق بالمعارك في الجبهات فقط، بل أيضًا بإصلاح الداخل، وتطهير المؤسسات ممن خانوا الأمانة، وإعادة بناء الجيش على أساس الولاء للوطن فقط، لا لفصيل أو جماعة أو جهة خارجية. فإذا أردنا أن ينتهي النزاع، وأن يعود الأمن والاستقرار إلى ربوع اليمن، فيجب أن نبدأ بخطوة أولى: محاسبة من تسببوا في انهيار الجبهات، وفتح الطريق أمام من يريدون الصمود والبناء من أجل وطن واحد موحد حر.