أموال الإغاثة تحت مجهر الرقابة .. هل حان وقت كسر التكتم الحصين للمنظمات الدولية في اليمن؟
في بلد تُصنّف فيه الأزمة الإنسانية كإحدى أكبر الأزمات عالمياً، وتُخصص لأجله مليارات الدولارات سنوياً باسم "إغاثة الشعب اليمني"، يطرح الشارع اليمني والأوساط الأكاديمية والاقتصادية سؤالاً مفصلياً بات يتكرر في كل بيت ومؤسسة: إلى متى تظل ميزانيات ومعايير المنظمات الدولية بعيدة عن الرقابة المحاسبية والمجتمعية؟
بين التقارير الدولية التي تتحدث عن تعثر التمويل، وبين الواقع الميداني الذي يرى فيه المواطن تضاؤل السلال الغذائية واختصار المعونات في "فتافيت" لا تسد الرمق، برزت مطالبات جادة بتفعيل آليات رقابة محلية ومستقلة تُنهي حالة الفجوة الهائلة بين ما يُعلن عنه في المؤتمرات وما يصل فعلياً إلى بطون الجياع.
الفجوة الرقمية: أين تذهب المليارات؟
تشير تقديرات خطط الاستجابة الإنسانية لليمن خلال السنوات الأخيرة إلى رصد مليارات الدولارات للعمليات الإغاثية والإنسانية. غير أن التحليل المالي والنقدي الميداني لكيفية صرف هذه التمويلات يكشف عن مفارقات صارخة:
الهيكل التشغيلي الضخم
تستنزف المصاريف اللوجستية، ورواتب الخبراء والموظفين الدوليين والإقليميين، وإيجارات المقار الفارهة، وحركة السيارات المصفحة، نسبة كبرى من أصل التمويل المخصص للاستجابة.
فارق الرواتب
في الوقت الذي تبلغ فيه قيمة السلة الغذائية المقدمة للأسرة بضعة آلاف من الريالات أو القليل من المواد الأساسية، قد يصل الرواتب والمكافآت الشهرية لكبار مسؤولي ومديري البرامج الإغاثية إلى مبالغ تساوي مئات السلال الغذائية شهرياً.
غياب الشفافية المدرسية
تجد المؤسسات المحلية والجهات الحكومية الشريكة صعوبة بالغة في الاطلاع على القوائم المالية التفصيلية لمعظم المنظمات، حيث تُكتفى المكاتب الدولية بتقديم تقارير إجمالية موجزة بدلاً من القوائم الحسابية الختامية المدققة.
معايير الاستبعاد.. عندما تتحول آليات "التقييم" إلى معاقبة للمحتاجين
لم تقتصر الإشكالية على الجانب المالي فقط، بل تعدتها إلى الجانب الفني والميداني.
في العديد من المحافظات – وفي مقدمتها المناطق المحاصرة والأكثر تضرراً مثل تعز – اشتكى المواطنون من نماذج المسوح الميدانية التي تعتمد على مظاهر مادية مضللة. أسئلة الباحثين عن وجود "غسالة منزلية"، "عصارة"، أو "أثاث خشب قديم" في منازل الأسر تصوّر الأسر وكأنها في حالة رخاء، متجاهلة أن هذه الأغراض هي ممتلكات قديمة اشترتها الأسر قبل اندلاع الحرب وتوقف المرتبات وانهيار العملة الوطنية.
هذا الفكر التشغيلي يعكس – بحسب متخصصين في التنمية الاجتماعية – انفصالاً كاملاً بين المصممين للبرامج الدولية في الغرف المكيفة وبين الواقع المعيشي المركب الذي يعيشه المواطن اليمني.
لماذا أصبحت الرقابة المحلية والمجتمعية ضرورة حتمية؟
إن المطالبة بفرض رقابة مجتمعية ومحلية على المنظمات الدولية لا تهدف إلى عرقلة العمل الإنساني أو تقييده، بل تشكل مدخلاً رئيساً لإصلاحه واستدامته. وتتحدد أبعاد هذه الضرورة في النقاط التالية:
حماية كرامة حاملي المأساة
العمل الإغاثي ليس منة أو صدقة، بل واجب أخلاقي ودولي تجاه مجتمعات واجهت الحروب والحصار. إشراك المجتمع المحلي في التقييم والرقابة يمنع السلوكيات الفوقية والاستعلاء الإداري أثناء مسوح الاحتياج أو توزيع المعونات.
ترشيد الإنفاق التشغيلي
وجود لجان رقابة مجتمعية تتكون من نقابات، وممثلي المجتمع المدني، ومُدققين مستقلين، يضع ضغوطاً على المنظمات لخفض نفقاتها الإدارية واللوجستية وتوجيه النسبة الأكبر من التمويل مباشرة نحو المشاريع والمساعدات المباشرة.
توجيه الدعم نحو التنمية والمشاريع المستدامة
الاعتماد الممتد على تقديم السلال الغذائية طوال سنوات الحرب كبّل القدرة الإنتاجية للمجتمع. الرقابة المجتمعية تفرض تحويل المسار نحو مشاريع سبل العيش، ودعم الزارعة المحلية، والتمكين الاقتصادي للأسر بدلاً من تكريس حالة الاتكالية.
خارطة طريق: كيف تُفرَض الرقابة الفعالة؟
لتحويل المطالب الشعبية إلى واقع عملي يضمن وصول كل دولار إلى مستحقيه، يقترح المختصون والخبراء الآليات التالية:
إنشاء لوحة أفصاح مالي موحدة (Open Data): إلزام جميع المنظمات الدولية والمحلية بنشر ميزانياتها التفصيلية الخاصة بكل محافظة وبشكل دوري، تشمل النفقات التشغيلية مقابل المساعدات المباشرة.
مجالس رقابة مجتمعية مستقلة:
تشكيل مجالس محلية في المديريات تضم شخصيات مشهوداً لها بالنزاهة، وممثلين عن الفئات المستهدفة، لمتابعة معايير اختيار المستفيدين وطرق المسح الميداني.
التدقيق المالي المحايد:
اعتماد شركات تدقيق محاسبي محليّة ومستقلة لمراجعة حسابات المنظمات والمفاضلة بين العروض التشغيلية لمنع الهدر المالي.
تعديل المعايير الإغاثية:
استبدال خانات "ممتلكات الجماد" (كالأثاث والأجهزة) بـ "مؤشرات الفقر متعدد الأبعاد" التي تقيس الدخل الفعلي، ومستوى التغذية، والرعاية الصحية، وتكاليف المعيشة الحالية.
خاتمة
إن الاستمرار في إدارة الملف الإنساني في اليمن بالأساليب القديمة القائمة على التكتم وحجب المعلومات وتفضيل النفقات الإدارية الضخمة لن يؤدي إلا إلى مزيد من اتساع رقعة الفقر وتآكل الثقة بالعمل الإنساني ككل.
لقد حان الوقت لتتحول أموال المانحين من شعارات وميزانيات في دفاتر المكاتب الدولية إلى طحين ودواء وتنمية حقيقية يلمسها المواطن في أزقة تعز ومخيمات النازحين وكل أرجاء اليمن. الرقابة الشفافة والمجتمعية ليست خياراً إضافياً، بل هي الشرط الأساسي لإعطاء الإغاثة معناها الإنساني النبيل.