«غزة وتعز.. تشابه في الحروف ووجع المأساة، والاختلاف في "هوية" القاتل!»
تأمّل المشهد ملياً، ولن تحتاج إلى خبير في علم الأرقام ولا استشاري في الجغرافيا السياسية ليدرك الحقيقة؛ فالقصة تبدأ بـ ثلاثة أحرف فقط: "غ-ز-ة"، و"ت-ع-ز". ستة أحرف تشكّل معاً معادلة الألم والخذلان في منطقتنا العربية.
في غزة، حصارٌ يخنق الأنفاس، وصواريخ تدك أحياء كاملة، وأطفالٌ يسقطون كل يوم تحت ركام المنازل. وفي تعز، حصارٌ يقطع شرايين الحياة، وقذائف تسقط على الأحياء السكّانية، وأطفال يواجهون ذات القتل والترويع. السيناريو كأنه كُتب بقلم واحد، ودُفعت فاتورته من نفس دماء الأبرياء.
لكن المأساة، بعمقها المريب، لا تتوقف عند حدود التشابه الجغرافي والإنساني؛ بل تذهب إلى ما هو أكثر مرارة:
فإذا كان الأعداء في غزة معروفين بالاسم والهوية والهندام — قوات الاحتلال الصهيوني — فإن المفارقة الساخرة تدق أبواب تعز بصورة أشد وجعاً.
في تعز، الحصار والقتل والتهجير يمارسه من يتحدثون نفس اللغة ويكررون الشعارات ذاتها، تحت رايات المليشيات الحوثية والمرتهنين لـ "أجندات إيران"، والذين ينفذون بامتياز ما يمكن تسميته بـ "سلوكيات الحصار والعدوان"، ولكن بأيادٍ محليّة وأدوات طائفية.
خذلان متوازي ونفاق لا ينتهي
الخذلان العربي والإسلامي هو المزيّة المشتركة الأخرى. غزة تُترك لمصيرها وسط بيانات تنديد استنكار صامتة ومؤتمرات لا يسمن ولا يغني جدول أعمالها من جوع. وتعز تُترك لمصيرها في طيات ملفات الهدن والتفاهمات المنسية، وكأن حصار مدينة بأكملها وقتل أطفالها بالطفاشيات والقذائف أمر عادي لا يستدعي حتى "القلق" الإقليمي أو الدولي!
القاتل في غزة يستثمر في صمته الدولي، والقاتل في تعز يستثمر في الانقسام والمتاجرة بقضايا الأمة. وكلاهما يجمعهما منطق القوة الباطشة، واستضعاف المدنيين والأطفال، واستباحة حياة الإنسان.
تبقى غزة صامدة بوجعها، وتبقى تعز شامخة بآلامها، فيما يقف التاريخ متفرجاً على مفارقة أليمة: حيث أصبح الحصار واحداً، والصواريخ والقذائف واحدة، والضحايا أطفالاً لا ذنب لهم.. لكن العزاء الوحيد أن الصمود يكتب ذات القصة، والظلم -مهما توحش أو اختلفت مسمياته- إلى زوال.