الخميس، 22 أكتوبر 2020

الفاشية والحوثية


لا نستطيع وصف النازية بغير وصفها المتعارف عليه، ولا نستطيع وصف القومية بغير ما وصفت نفسها به ووصفها منظورها به، ولا نستطيع وصف الصهيونية بغير ما وصفت به نفسها منذ هرتزل إلى اليوم، قد نقارب ونباعد المسألة لكننا ملزَمُون بتعريف أصحاب الفكرة لنفسهم بنفسهم، أما أن نصف مثلاً دولة دينية بالدولة العلمانية فلن يستقيم المعنى وسيتم رفضه من الطرفين.
 
والفاشية كما جاء وصفها "بدأت كلمة فاشيا "fascia" تستخدم في إيطاليا لتشير إلى جماعة أو رابطة سياسية عادة ما تتكون من اشتراكيين ثوريين". 
 
خلاصة الفاشية في عهد موسيليني أنها نظام سياسي ديكتاتوري مثّل فيه موسيليني رأس السلطة بوصفه رئيس وزراء إيطاليا، وفي الخلاصة والمحصلة هي حركة سياسية وصلت للسلطة عبر انتخابات وحكمت بالديكتاتورية بعد وصولها للسلطة، وهي لا تؤمن بالديمقراطية وتداول السلطة. 
 
وبناء عليه سلطة عبد الملك الحوثي لم تأت عبر انتخابات ولا هو يمثل اتجاه سياسي ولا هو رئيس ولا وزير ولا حاكم هو ظل الله في الأرض، هو ليس قابلا لأن تكون حركته حركة سياسية أو حزب ديكتاتوري، وليس لديه عقيدة قومية بالأمة ولا بالشعب الذي يحكمه. عبده حوثي هو خلاصة لإلتقاء الختانين ونتيجة طبيعية لزواج  أصغر صحابي بفاطمة بنت رسول الله. لقد قَدم عبر الجينات المقدسة كحيوان منوي عابر للحدود المكانية والزمانية إلى أن وصل إلى هذه الإمامة بهذا الشكل، ولذا تجب طاعته كونه ولي أمر مقدس طاعته من طاعة الله.
 
وهنا نجد فرق جوهري بين الهاشمية السياسية والفاشية، فالهاشمية السياسية تميز نفسها بأربعة قضايا أساسية عن بقية الشعب والأمة؛  تميز سياسي : فلهم الولاية المطلقة والتفويض السماوي الذي اختص البطنين بالحكم من دون الشعب. تميز اقتصادي: فهم أهل الخُمس ولهم 20% من الثروة من غير نظام الأجور والمرتبات وكشوفات المالية والخدمة المدنية. تميز اجتماعي: فهم سادة نجباء والناس عبيد ورعاع، لا يُزوجون بناتهم من القبائل لكي لا ينجسونهنّ، ويتزوجون من بنات القبائل ليطهرونهنَّ، فهم السادة الأشراف وغيرهم أوباش وهم رجال الرجال، ونسائهم الزينبيات، وأنتم مكالفهنَّ.  تميز ديني: فهم قُرناء القرآن وهم أصل الدين والتدين وما جاء منهم فهو الدين الحق، لا جدال ولا نقاش ولا حجة للرعاع ولو كانوا من نفس المذهب. 
 
وقد اتخذوا من مسميات المذاهب في اليمن منافذ للعبور نحو السلطة، فالمذهب الشافعي يقول أن الخلافة في قريش والمذهب الهادوي المتستر بالزيدية يقول أن الإمامة في البطنين، المحصلة النهائية للحكم تجتمع في سلالتهم وحدهم.
 
بينما نحن لدينا هوية يمنية نعلنها مجاهرين بها نجد أن لديهم هوية إيمانية مُجاهرين بها، لا علاقة لهم لا بالهوية ولا بالأمة ولا بالدولة اليمنية ولا بالوطن وبالمواطنة وقيمها،  وهي ثوابتنا التي استغرقت أجيال وأزمان للوصول إليها كمحددات أساسية. لدينا الجمهورية اليمنية كهوية سياسية ولديهم مسمى اليمن كغلاف لعودة دولة السيد سواء قال بالإمامة علناَ أو لم يقل.
 
لو كان هذا الهراء  الحوثي نظاماً فاشياً كان سيصل للحكم عبر الانتخابات لا عبر الانقلاب، ولو كان انقلاب على سلطة وحزب وحكومة لما انقلب على الشعب والجمهورية والدولة.
 
لو كان هذا الهراء الحوثي دولة لكان الشعب حاضراً في التعريف، فللدولة ركائز أساسية في ماهيتها؛ الجغرافيا والشعب و نظام الحكم بشقيه السلطة والمعارضة، والعقد الاجتماعي، لا يمكن تعريف الدولة خارج هذا السياق اليوم، ومن لا يكون الشعب والعقد الاجتماعي والسلطة والمعارضة جزء منه يسمى سلطة أو نظام حكم ريعي أو غيره، وإن اصطلح على تسميته دولة فإنها دولة مجازية. 
 
الفاشية لا تحكم باسم الله وباسم الجينات المقدسة، إنما نظام حكم ديكتاتوري لديه أهداف واضحة وبرنامج محدد، قساة ويشعلون الحروب على الشعوب المجاورة، يمنحون حق مشاركة الناس في السوق وتحتكر الفاشية الصناعة بيد الدولة. أما هؤلاء الأوباش الأماميون فهم غبار التاريخ، التجارة صارت لمشرفيهم وغسيل الأموال في الداخل والخارج والتهريب ميدانهم، وهم أقرب للعصابة الثيوقراطية لا لنظام الحكم.
 
أقرب نظام إمامي في اليمن جاء في 1918، المملكة المتوكلية اليمنية، جاء بالتراضي مع الحكام السابقين، وجاء شيوخ الإسلام في ذلك العهد وهم ثلاثة الشماحي واليدومي ونسيت الثالث ونصبوا الإمام يحيى حميد الدين حاكماً على اليمن، نظام كهنوتي خرافي، لكنه لا يشبه نظام الحوثي اليوم، وظل يخوض الصراعات مع الشعب ومع نفسه وصراعات لا محدودة داخل الأسرة المتوكلية نفسها وبين الأسر المتهيشمة، وكان الإمام يحيى ومن بعده أحمد ينكرون 90% من هذه الأسر التي تدعي هاشميتها اليوم، كان هناك شيئاً من العدل في القضاء وشيئاً من العدالة في المساوة بالظلم بين كل الناس.
 
أنا لا أقارن بين دعي سابق ولاحق، بل أحاول التوصيف ولا أرى شخصياً بإمامة السابق واللاحق، حتى مفردة إمام استخدمتها للتوصيف لا علاقة لهم بإمامة من وجهة نظري، ولا يصح عندي اتخاذهم أئمة لا في دين ولا في دنيا، ولا تصح لدينا إمامتهم في الصلاة داخل حدود الجمهورية اليمنية، والأسباب كثيرة منها اعتبارهم لأنفسهم وافدين ومجرد جالية على مستوى الفكر والسلوك والنقاش، 1200 سنة ولم يعترفوا بمواطنتهم ولا بالشعب ولا بالأمة اليمنية ولا انتموا لنفس الهوية، وغارقين في ادعاءاتهم والمعروف عندنا "لا يؤم الرجل الرجل في حرزه" واليمن حرز شعبها وأمتها. 
 
 الفاشية نظام حكم قومي متطرف، والهاشمية السياسية - الحوثية - سلطة إلٰهية مطلقة. 
 
الفاشية وصلت للسلطة في إيطاليا عبر حزب سياسي، الهاشمية السياسية وصلت لسلطة الأمر الواقع في صنعاء عبر انقلاب على الهوية والأمة والدولة -الجمهورية - والوطن وعلى كل الثوابت. 
 
الفاشية فكرة ثورية اشتراكية، والهاشمية السياسية فكرة عنصرية إرهابية وجماعة إسلام سياسي لا علاقة لها بالحكم ولا تملك نظرية في السياسة ولا في الاقتصاد كمعظم جماعات الإسلام السياسي المعاصرة. 
 
الفاشية حركة قومية تمجد الأمة والشعب، والهاشمية السياسية حركة جينية تمجد المني والبويضات والحيوانات المنوية قائمة على أساس الأعضاء التناسلية "قيل لعبدالله بن حمزة أحد معاتيه الهاشمية السياسية كيف قتلت 100 ألف من المطرفية وهم من نفس مدرستك الفقهية والمذهبية، قال جدي علي بن أبي طالب قتل 30 ألف من خيار الصحابة، أنا قتلت الغوغاء والرعاع اليمنيين".  لا يعترفون بشعب ولا بهوية ولا بأمة ولا بدولة الشعب ولا بحق الناس في المواطنة المتساوية وقيمها المتعارف عليها. 
 
اليمن اليوم ملت الحروب والانقلابات العسكرية أيا كانت، هناك مخرجات حوار يمكن البناء عليها للمرحلة القادمة، سيتوقف الناس عن البحث عن الحكم عبر القوة العسكرية الميليشاوية، الانقلابات الفاشلة لا تستطيع خلق أنظمة حكم ناجحة. 
 
الهاشمية السياسية مجرد ظاهرة صوتية وقوة إرهابية ستسقط في أول اختبار عملي واقعي لها على الأرض، السيطرة بالقوة ليست حكم ولا تشكل منطلقاً للحكم في وسط معقد كالوسط اليمني، وهي فكرة تحمل بذور فنائها، كما أن هناك خلافات بين الأسر المؤمنة بالهاشمية السياسية كنظام يُوصلها للحكم، فهناك هواشم درجة عشرين كبيت الرمة والجنيد والمسني والصوفي والشراعي والشرعي وهؤلاء رعاع في نظر هواشم الطبقات العليا وهم أقرب لأسر الحوثي والمحاقري وعامر  والخالد ووهاس والمياس وتسبقهم أسر الماخذي والماوري والمجاهد والمقالح والحكيم والمداني والرضي وبين هؤلاء وبين بيوت الشامي والمتوكل وشرف الدين بون شاسع ومسافات كبيرة، هناك هاشمي درجة أولى وهاشمي درجة ثانية وثالثة وعاشرة وعشرين، هذه متوالية عدمية تشبه طبقات الدَّمْنُ لا أكثر.
 
ليس الخلاف الجوهري بيننا في الأمة اليمنية وبين الهاشمية السياسية على مسألة نظام الحكم فردي ديكتاتوري أو جمهوري ديمقراطي فقط، بل هو خلاف وجودي، خلاف على حقنا في الحياة وإقامة دولتنا على أرضنا للحفاظ على كينونتنا وصيرورتنا وعلى هويتنا ونسلنا، الدولة بالنسبة لنا هي دولة الشعب والجمهورية جمهورية الشعب، ومن حق الشعب أن يحكم نفسه بنفسه، وأقرب نظام حكم للشعب هو النظام الديمقراطي الحديث، بمعنى ليس خلاف تقني فني بل خلاف وجودي. 
 
لم يوجد نظام ولا حزب  ولا فرد فاشي قادم من جينات مقدسة و لديه وثيقة ونص سماوي يمنحه الولاية والحكم المطلق والأبدي، لذا الفاشية انحراف سياسي. أما الهاشمية السياسية فهي انحراف أخلاقي وإنساني وفكري وقيمي تصل إلى درجة "أنا خير منه" وهنا تبدأ الاشكالية الحقيقية.
 



الخبر السابق تاريخ في مهب الريح.. الحوثية تدمر متاحف اليمن
الخبر التالي وماذا عن الأسيرين محمد وعفاش يا شرعية؟

مقالات ذات صلة