العبادات الدينية والعادات والتقاليد المجتمعية.

منذ سنتين
مشاركة الخبر:

إن الفلسفة الإسلامية تنظر إلى العبادات على أنها علاقة خاصة بين العبد وخالقه ، يتجسد من خلالها مدى خضوع ذلك العبد لله تعالى ومدى ارتباطه به ومدى طاعته له ، كما أن العبد ينال بموجب قيامه بأداء تلك العبادات على الأجر والثواب الكبير من الله تعالى في الدنيا والآخرة .
وبذلك ، فإن أداء العبادات في الاسلام يعود بالخير والفائدة على الشخص نفسه ، كما أن قبول تلك العبادات أو رفضها أمر بيد الله تعالى ، فهو وحده الذي يعلم نوايا وخفايا النفوس البشرية ، وهو وحده جل شأنه من يعرف حق المعرفة هل كانت العبادة خالصه لوجهه الكريم أم مجرد رياء وسمعة ونفاق ومظاهر . فإذا كانت العبادة خالصة لوجه الله تعالى فإن العبادة تكون في سياقها الصحيح وتحقق الهدف الأخلاقي والسلوكي المنتظر منها ، وإذا كانت بهدف الرياء والسمعة فإنها تخرج عن سياقها الصحيح ، ويتجسد من خلالها النفاق الديني والسياسي والاجتماعي ، وتتحول من شأن خاص بين العبد وخالقه إلى شأن اجتماعي وسياسي ، الهدف منه استغلال تلك العبادات لتحقيق مصالح دنيوية وسياسية ( صل له يقرب ) .

لذلك ، نلاحظ أن بعض انظمة الحكم الإسلامية عبر التاريخ قد سعت جاهدة إلى تغيير حقيقة مفهوم العبادة من الخصوصية إلى العمومية ، حيث جعلت من أداء تلك العبادات طقوس مجتمعية وسياسية ، ما دفع بالكثير من الناس إلى أداء تلك العبادات تحت ضغوط وقيود اجتماعية وسياسية ، بل لقد وصل الحال ببعض تلك السلطات الحاكمة إلى إجبار الناس على أداء العبادات كالصلاة والصوم والزكاة ، ما تسبب في تعاظم ظاهرة الرياء والسمعة وانتشار ظاهره النفاق الديني والسياسي والاجتماعي على أوسع نطاق ، وبتلك السياسات لم يعد أداء العبادات شأناً خاصاً بين العباد وخالقهم ، بل أصبح أداؤها شأناً عاماً كجزء من الطقوس والعادات والتقاليد الاجتماعية والسياسية ، واصبح العديد من الناس عبر التاريخ الاسلامي يلتزمون بأداء تلك العبادات كواجب تمليه عليهم العادات والتقاليد والطقوس الاجتماعية والسياسية قبل أن يكون واجباً يمليه عليهم الدين . وبموجب ذلك تحوَّلت العبادات في الإسلام من عبادات وطاعات ورغبة وقناعة إلى عادات وتقاليد وإلزام وإجبار وإكراه وتعسف ..

وتحويل العبادات الدينية إلى عادات وتقاليد مجتمعية وسياسية ، ومن شأن خاص إلى شأن عام يتعارض تماماً مع الرغبة والقناعة والرضا الواجب توفرها لأداء العبادات ، فالكثير من العادات والتقاليد المجتمعية تجبر وتكره الأفراد على القيام بها حتى لو لم يكونوا راغبين أو مقتنعين بها ، وترتب على ذلك تنامي ظاهره النفاق الديني والسياسي والاجتماعي داخل المجتمع الإسلامي ، بعد أن جعل من أداء العبادات جزء من عاداته وتقاليده ، وبعد أن أصبح الحكم على الأشخاص وتقييم أخلاقهم يتوقف على مدى تظاهرهم بأداء العبادات . 
فكم سرد لنا التاريخ الكثير من القصص التي تبوأ فيها أصحاب الدجل والنفاق أعلى مناصب الدولة ، وكم سرد لنا التاريخ الكثير من.قصص الغش والخداع والتغرير التي كان أبطالها بعض أولئك الذين كانوا يتسابقون على الصفوف الأولى في المساجد ، وذلك لأن الحكم عليهم كان بمجرد تظاهرهم بأداء العبادات كعادات وتقاليد مجتمعية ..

وبذلك ، فإن تحويل العبادات من شأن خاص إلى شأن عام ' ومن طاعة إلى عادة ، قد فتح المجال واسعاً أمام انتشار ظاهرة الرياء والسمعة والغش والخداع والتضليل والنفاق الديني والسياسي والاجتماعي ، وقد فتح شهية أصحاب المصالح الدنيوية والاطماع السلطوية ، حيث أصبح بإمكانهم وبمجرد تظاهرهم بأداء العبادات أمام الناس ، أن يتسيدوا الموقف ويصبحوا الرعاة الرسميين للدين ويصدروا صكوك الغفران لمن يتجاوب معهم وصكوك الكفر لمن يعارضهم ، وترتب على ذلك الضرر الكبير والفادح على مسيرة الدين الاسلامي وتاريخ وحضارة الأمة الإسلامية. فبين عشيةٍ وضحاها تحوَّل العديد من أصحاب النفاق والرياء والسمعة والاطماع المادية والسلطوية إلى وعاظ وقادة ودعاة وخطباء ومرشدين ، فدسوا السم في العسل وشوهوا كل جماليات الدين الأسلامي ..

في مخالفة صريحة لفلسفة الاسلام لموضوع العبادات الدينية التي أكدت على خصوصيتها بين العبد وخالقه ، والتي جعلت منها شأناً خاصاً وليس شأناً عاماً ، وجعلت القيام بها أمراً اختيارياً وليس إجبارياً ، والتي أكدت بأن الحكم على الأفراد يتوقف على سلوكياتهم وأخلاقهم ومعاملاتهم وليس على مجرد تظاهرهم بأداء العبادات كعادات وتقاليد مجتمعية ، وعدم الالتزام بتلك الفلسفة قد سهّل ومهّد الطريق أمام المنافقين والمتصنعين لتولي أعلى المناصب الدينية والقيادية والسياسية ، وبموجب تلك النظرة القاصرة لمعنى ومفهوم العبادات الدينية ، تم تسليم القيادة والسلطة خلال فترات تاريخية مختلفة لذئاب بشرية متوحشة تدثرت بثياب التقوى والزهد ، لتسوم الشعوب الإسلامية سوء العذاب ، وتحكمها بالحديد والنار .

من أجل ذلك يجب على المجتمعات الاسلامية أن لا تقع ضحية التغرير والتضليل والنفاق والرياء والشعارات ، وعليها أن تفرق بين العبادات الدينية والعادات والتقاليد الاجتماعية ، فليس كل ما يلمع ذهباً ، وليس كل من يتظاهر بأداء العبادات زاهد وتقي ومؤمن .