الحرب المؤجلة بين واشنطن وطهران .. كيف أعادت سياسة الاحتواء تشكيل أمن الخليج العربي والطاقة العالمية؟
لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تُدار وفق منطق الحرب التقليدية المباشرة، بل انتقلت تدريجيًا إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تقوم على "الاحتواء المتبادل" وإدارة الاستنزاف طويل الأمد. وهذه المرحلة لا تعني انتهاء الصراع، وإنما انتقاله من ساحة الصواريخ والطائرات إلى ساحات الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية والتحالفات الدولية.
فالولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري الهائل، باتت تدرك أن أي حرب شاملة ضد إيران لن تكون عملية جراحية سريعة كما حدث في العراق عام 2003، بل قد تتحول إلى حرب إقليمية واسعة تمتد من الخليج العربي إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط، وتؤدي إلى اضطراب خطير في أسواق الطاقة العالمية، وربما إلى أزمة اقتصادية دولية جديدة تضرب الاقتصادات الغربية والآسيوية في آن واحد.
ولهذا السبب اتجهت السياسة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة إلى ما يمكن وصفه بـ"الاحتواء المرن"، أي ممارسة أقصى درجات الضغط الاقتصادي والسياسي والعسكري على إيران، مع تجنب الوصول إلى نقطة الانفجار الشامل. وتقوم هذه السياسة على إضعاف إيران ومنع تمددها دون التورط في حرب مفتوحة قد تكون تكلفتها أكبر من نتائجها.
لكن، في المقابل، خلقت هذه الاستراتيجية الأمريكية واقعًا جيوسياسيًا جديدًا في الخليج العربي، إذ لم تعد دول الخليج مجرد حليف أمني لواشنطن، بل أصبحت جزءًا من معادلة الردع العالمية المرتبطة مباشرة بأمن الطاقة الدولي. فأي تصعيد مع إيران لم يعد يُنظر إليه باعتباره أزمة إقليمية محدودة، بل باعتباره تهديدًا مباشرًا للاقتصاد العالمي بأكمله.
ومن جهتها، تدرك إيران هذه الحقيقة جيدًا، ولذلك لم تعد تعتمد فقط على برنامجها النووي كورقة تفاوض، بل أصبحت تعتمد بصورة أكبر على "ورقة الفوضى الإقليمية". بمعنى أن طهران تحاول إيصال رسالة واضحة للعالم مفادها أن سقوطها أو خنقها اقتصاديًا لن يؤدي إلى استقرار المنطقة، بل إلى انفجار شامل يهدد الملاحة والطاقة وأسواق النفط العالمية.
وهذا ما يفسر التهديدات الإيرانية المتكررة بإغلاق مضيق هرمز أو استهداف البنية التحتية النفطية في الخليج العربي، فإيران تعرف أن نحو ثلث تجارة النفط البحرية العالمية تمر عبر هذا الممر الحيوي، وأن أي اضطراب فيه، حتى لو كان محدودًا، سيؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة.
وهنا تتحول دول الخليج العربي إلى "رهينة جيوسياسية" شديدة الحساسية، فالسعودية والإمارات وقطر والكويت ليست فقط دولًا منتجة للطاقة، بل تمثل العمود الفقري لاستقرار سوق النفط والغاز العالمي. ولذلك فإن أي تصعيد عسكري واسع سيجعل منشآت النفط والغاز والموانئ ومحطات التصدير أهدافًا مباشرة في أي مواجهة.
إن الخطر الأكبر على الخليج لا يقتصر على الهجمات العسكرية المباشرة، بل يمتد إلى الضغوط الجيوسياسية المتزايدة الناتجة عن الصراع الأمريكي الصيني. فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط الخليجي، بينما تبقى الولايات المتحدة الضامن الأمني الرئيسي لدول الخليج. وهذا التناقض يضع العواصم الخليجية أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف يمكن الحفاظ على الشراكة الأمنية مع واشنطن دون خسارة الشراكة الاقتصادية مع بكين؟
وقد تصبح هذه المعضلة أكثر حدة خلال السنوات القادمة، خصوصًا إذا تصاعدت الحرب الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين، أو إذا قررت واشنطن فرض ضغوط أكبر على الدول التي تستمر في توسيع تعاونها الاقتصادي وقطاع الطاقة مع بكين.
أما على مستوى آسيا، فتبدو التأثيرات أكثر خطورة مقارنة بأوروبا، فالقوى الصناعية الكبرى مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية تعتمد بصورة حيوية على نفط وغاز الخليج العربي. وبعض هذه الدول يحصل على أكثر من نصف احتياجاته النفطية عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي اضطراب في الخليج تهديدًا مباشرًا للصناعة والنقل والنمو الاقتصادي.
والصين، باعتبارها أكبر مستورد للطاقة في العالم، تدرك أن أي مواجهة عسكرية واسعة في الخليج قد تتحول إلى تهديد استراتيجي مباشر لاقتصادها وأمنها الصناعي، لذلك تسعى إلى تجنب انهيار العلاقة مع إيران من جهة، وتجنب الصدام المباشر مع الولايات المتحدة من جهة أخرى، وهو ما يفسر محاولاتها المتكررة للعب دور الوسيط الإقليمي.
كما تواجه الهند وضعًا بالغ الحساسية بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة الخارجية، إذ إن أي ارتفاع حاد في أسعار النفط سيؤدي إلى ضغوط هائلة على الاقتصاد الهندي وعلى قيمة العملة ومعدلات التضخم الداخلي.
أما اليابان وكوريا الجنوبية، فتعتمدان بصورة شبه كاملة على واردات الطاقة البحرية، ولذلك فإن أي إغلاق لمضيق هرمز، حتى لفترة مؤقتة، قد ينعكس مباشرة على قطاعاتهما الصناعية والتكنولوجية والتصديرية.
وفي المقابل، تبدو أوروبا أقل اعتمادًا على نفط الخليج مقارنة بآسيا، خصوصًا بعد محاولاتها تنويع مصادر الطاقة عقب الحرب الروسية الأوكرانية. لكن ذلك لا يعني أنها ستكون بمنأى عن الأزمة، فارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا سيؤدي إلى موجة تضخم جديدة داخل أوروبا، وقد يعيد أزمات الطاقة والصناعة التي شهدتها القارة خلال السنوات الأخيرة.
كما تدرك أوروبا أن أي اضطراب طويل الأمد في الخليج سيزيد من اعتمادها على الغاز الأمريكي، وهو ما قد يرفع تكلفة الطاقة الأوروبية ويضعف القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية أمام الولايات المتحدة وآسيا.
وفي هذا السياق، لا تبدو سياسة الاحتواء الأمريكية استراتيجيةً للحل النهائي بقدر ما تبدو محاولة لإدارة الأزمة ومنع انفجارها الكامل. فمن خلال الملاحظات الأخيرة والشواهد المتعددة، يتضح أن واشنطن لا تريد حربًا كبرى، لكنها في الوقت ذاته لا تريد السماح لإيران بالتحول إلى قوة نووية كاملة أو إلى قوة إقليمية غير قابلة للردع.
غير أن المشكلة الجوهرية تكمن في أن هذه السياسة تُبقي المنطقة في حالة توتر دائم، بحيث يصبح الشرق الأوسط أشبه ببرميل بارود قابل للاشتعال في أي لحظة، سواء بسبب خطأ عسكري أو هجوم محدود أو انهيار تفاوضي مفاجئ.
ولهذا فإن أخطر ما في المشهد الحالي ليس الحرب نفسها، بل "استمرار اللاحرب"، لأن المنطقة تعيش حالة استنزاف اقتصادي وأمني وسياسي طويلة المدى، تتداخل فيها الحسابات الأمريكية والإيرانية والإسرائيلية والصينية والروسية، بينما يبقى الخليج العربي في قلب هذه العاصفة باعتباره مركز الطاقة العالمي وأحد أهم مفاتيح التوازن الاقتصادي الدولي.
*أكاديمي ومحلل سياسي يمني
جامعة تعز