السابع عشر من يوليو .. البارق الذي لمع في سماء اليمن
في مثل هذا اليوم كان اليمنيون على موعد مع البارق الذي لمع في سمائهم سهيلًا يمانيًا جديدًا غير ذلك الذي صنعته النجوم، بل بارقًا صاعدًا من عمق الأرض وعرق الجباه ليمطر خصبًا طيلة ثلث قرن بالتمام والكمال من عمر وطن من الوريد إلى الوريد.
ثلث قرن أينعت فيه آمال اليمنيين متحققة كما أرادوها وأرادها لهم القدر.
إنه السابع عشر من يوليو 1978، يوم أوكل التاريخ إلى ذلك ابن الأرض الزعيم علي عبد الله صالح قيادة بلده، فكان اللقاء بين قائد وشعب أو بين شعب وقائد فلا فرق حيث هو واحد منهم. علي عبد الله صالح فقط، هكذا بلا ألقاب ولا امتيازات من تلك التي كان يحرص عليها الصاعدون والنازلون، مكتفيا بلقب "المواطن" و سمة "الفلاح" ووسام "الثورة" ومبدأ "الجمهورية". فكان لذلك اليوم الذي أُعلن فيه المواطن علي عبد الله صالح رئيسا لليمن أن يمثل منعطفا مهما في تاريخ اليمن الحديث أعلن نهاية حقبة من الفوضى الأمنية وأمواج العشوائية والتشرذم التي كانت تتلاطم باليمن، وتدشين مرحلة جديدة من الأمن والاستقرار والحرية.
كان ذلك اليوم علامة فارقة وحدثًا مهمًا في تاريخ وحياة الشعب اليمني الذي أصبح صاحب القرار والسلطة، بانتخاب مجلس الشعب التأسيسي للمقدم علي عبدالله صالح رئيساً لليمن، وقائدا أعلى للقوات المسلحة.
أما اختياره من قبل مجلس الشعب التأسيسي فقد كان هو أول دروس الديمقراطية التي حرص على تجسيدها، وهو القادم من المؤسسة العسكرية، وفي وقت كان الطريق إلى رئاسة البلاد قد انحصر على الانقلابات العسكرية.
قبل انتخابه رئيسا للبلاد كانت الدولة اليمنية موجودة في الدواوين والوزارات الموجودة في صنعاء فقط. أما ما هو خارج صنعاء فلا شيء يمت الي الدولة، وما بعد السابع عشر من يوليو كانت فترة ذهبية حيث أسس لدولة بسطت نفوذها على كامل التراب الوطني وقامت بمسؤولياتها والتزاماتها، تجاه المواطنين رغم التحديات والصعاب الكبيرة، وهنا يجد اليمنيون الفرق بين دولة وطنية بقيادته، وجماعات مليشياوية تمسك بزمام الامور حاليًا وتتنصل عن مسؤولياتها.
لأن علي عبد الله صالح هو ابن الأرض فقد أحب تلك الأرض وأحب شعبها فأحبوه، وشعروا بأنه واحد منهم، قريب منهم ومن همومهم وآمالهم وتطلعاتهم، فخاض تحدي بناء اليمن الحديث ولملمة جراحات الماضي وسط توقعات الفشل، لكن براعته القيادية وحنكته السياسية القائمتين على فلسفة الحوار والتسامح كانتا هما اللغة التي أجاد استخدامها وبمهارة عالية مع كل الفرقاء السياسيين وآنذاك، واستطاع إقناعهم بالتفكير من منطلق (اليمن أولا) وإخراجهم من المتاهات السياسية والأيدلوجيات الفكرية التي عانت اليمن الأمرين منها، والوصول إلى ميثاق وطني أجمعت عليه كافة القوى الوطنية الخيرة ومن ثم ميلاد المؤتمر الشعبي العام الذي احتوى الخلافات وأوجد القواسم المشتركة للعمل من أجل المستقبل وفق آليات نظرية وطنية ديناميكية ذات بعد يمني وعربي وعالمي أثبتت الأيام أنها من أفضل النظريات الديمقراطية الناجحة المواكبة للمتغيرات والتحولات العالمية.
استطاع الرئيس الراحل والزعيم الشهيد علي عبد الله صالح أن يمتص كافة الاحتقانات التي كانت تشهدها الساحة اليمنية وفق رؤية إستراتيجية شاملة كانت في طليعة أولوياتها بناء الإنسان اليمني سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا على طريق التهيئة لتحقيق الوحدة اليمنية التي ظلت حاضرة في وجدانه ووجدان شعبه، فبذل كل الجهود حتى تحقق حلمه وحلمهم ورفع راية الجمهورية اليمنية في سماء اليمن في 22مايو 1990م كأعظم انجاز حققته اليمن في تاريخها المعاصر ومتوجا جهوده التي بذلها لتحقيق أهداف ثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر بدولة يمنية تعددية تؤمن بالرأي والرأي الآخر وحقوق الإنسان.
وبالتالي كان السابع عشر من يوليو 1978 بمثابة اللبنة الأولى لمراحل البناء في اليمن، حيث بسطت الدولة واجهزتها واداراتها نفوذها على المحافظات والمديريات وجعلت المواطن يشعر بأن له يد حانية ودولة ترعاه.
بإمكان أي مواطن منصف أن يروي لأولاده وأحفاده عن زمن الدولة في فترة الرئيس الصالح، ويقارنها بين ما كانت فيه وما أصبحت عليه من بعد تسليمه للسلطة، حيث شاهد الشعب خلال رئاسته الجسور والطرق والمصانع والكهرباء، ودخلت البلاد في عهده مصاف الدول النفطية والغازية، وتم فتح المجال للاستثمار المحلي والأجنبي وإقرار حرية الاقتصاد اليمني، وإقرار قانون الصحافة والمطبوعات والسماح لها بالنشر، وإقرار حرية تأسيس الأحزاب والمنظمات الجماهيرية لتعرف اليمن مساحات لم تكن معروفة من الحرية والديمقراطية والتعددية السياسية.
إنجازات الرئيس الشهيد علي عبدالله صالح منذ انتخابه رئيساً لليمن عديدة، لا تبدأ بإعادة تحقيق الوحدة اليمنية المباركة، والاستقلال بالقرار السياسي لليمن، ولا تنتهي ببناء جيش وطني قوي، أو اتباع منهج ديمقراطي يتحرك منطلقا من التعددية السياسية والحزبية وحرية الرأي والصحافة واحترام حقوق الإنسان، فكل مناطق اليمن وعلى طول البلاد وعرضها شواهد للفترة الذهبية لليمن خلال رئاسة الزعيم والتي ستظل منارة يسترشد بها المواطنون لزمن الدولة.