صورة تهز المشهد الإقليمي... واليمن خارج الحسابات

صورة تهز المشهد الإقليمي... واليمن خارج الحسابات
مشاركة الخبر:

في مشهد سياسي غير تقليدي، تصدّرت صورة جمعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس القيادة السورية أحمد الشرع، وبمشاركة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، واجهة القمة الخليجية المنعقدة مؤخراً في الرياض.

لم تكن الصورة مجرّد لقطة بروتوكولية، بل بدت وكأنها تعكس بداية إعادة هندسة للمشهد الإقليمي، وتوزيع جديد للأدوار والنفوذ.

وبينما انشغلت عدسات الكاميرا وتحليلات المراقبين بقراءة ملامح هذا المشهد اللافت، بدا الغياب اليمني فاضحاً، لا من حيث الحضور الرسمي فحسب، بل في موقعه المتدني على سلّم الأولويات الإقليمية والدولية، رغم أن قيادة المجلس الرئاسي تقيم في ذات المدينة منذ سنوات.

حضور سوري وغياب يمني مدوٍ

اللقاء الثلاثي – بما يحمله من رمزية سياسية – أرسل إشارات واضحة حول إعادة إدماج سوريا في المعادلة الإقليمية، مستفيدة من لحظة سياسية مواتية، وقيادة استطاعت أن تعيد تقديم نفسها كلاعب يمتلك مشروعاً، ورؤية، وخطاباً تفاوضياً متماسكاً.

في المقابل، اختفى الملف اليمني من الكلمات الرسمية، وغاب عن النقاشات الجانبية، وكأن اليمن ليس بلداً يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والسياسية في العصر الحديث.

هذا الغياب، بحسب مراقبين، لم يكن خطأً بروتوكولياً أو صدفة عابرة، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من الارتباك السياسي، والتخبط الإداري، وقيادة متآكلة عاجزة عن فرض نفسها كصاحبة مشروع وطني حقيقي.

قيادة مشتتة... بلا مشروع ولا حضور

القيادة اليمنية، التي يُفترض أنها تمثل "الشرعية"، تبدو اليوم غارقة في خلافات داخلية لا تنتهي، ومرتهنة لتجاذبات إقليمية تشل قدرتها على اتخاذ قرارات سيادية تخدم مصالح اليمنيين.
لقد أخفقت، رغم ما حظيت به من دعم سخي سياسي واقتصادي وعسكري، في بناء مؤسسات دولة قادرة على التعبير عن الناس أو مخاطبة المجتمع الدولي بلغة تؤسس لشراكة لا لشكاوى دائمة.

ليس مستغرباً، إذاً، أن تغيب اليمن عن طاولات القرار، فهي لا تملك اليوم قيادة تمتلك رؤية جامعة، ولا مشروعاً وطنيًا يمكن تسويقه، ولا حضوراً حقيقياً يفرض احترامها على الحلفاء أو الخصوم.

سوريا تنهض... واليمن يتراجع

المشهد السياسي اليوم يقدم مفارقة حادة: بلد أنهكته الحرب مثل سوريا، يعود إلى الواجهة بخطاب سياسي ومشروع تفاوضي، بينما يغيب اليمن – الأكثر احتياجًا للدعم والاهتمام – عن الذاكرة الإقليمية والدولية. بين صعود مشروع وتراجع لا مشروع، تتضح معالم الفارق: طموحٌ مقابل عجز، ومبادرةٌ مقابل انتظار.

وبحسب مراقبين، ما حدث لا يعكس مؤامرة على اليمن بقدر ما يُعدّ محصلة منطقية لسنوات من الغياب السياسي والافتقار إلى المبادرة.

ففي عالم السياسة، لا يمكن للفراغ أن يدوم، ومن لا يسعى لحجز مكانه على الطاولة سيجده مشغولًا بآخرين يملكون مشروعًا وإرادة.

ويرى المراقبون أن الوقت قد حان لمراجعة شاملة، لا تقتصر على أداء من يدّعون تمثيل الشرعية، بل تمتد إلى طبيعة الشرعية نفسها: هل لا تزال تعبّر عن طموحات اليمنيين، أم أنها تحوّلت إلى واجهة باهتة تُدار من الخارج وتفتقر إلى القدرة على اتخاذ القرار؟

ففي زمن التحولات الكبرى، من لا يملك مشروعه سيتحول إلى الهامش، ومن لا يُحسن تمثيل قضيته، سيتجاوزه التاريخ دون أن يلحظ أحد حتى غيابه.