جريمة دار الرئاسة .. اغتيال وطن وجرح غائر في قلب اليمن

 جريمة دار الرئاسة .. اغتيال وطن وجرح غائر في قلب اليمن
مشاركة الخبر:

في الثالث من يونيو من عام 2011، وقعت جريمة هزّت اليمن والعالم، حين تم استهداف مسجد دار الرئاسة بالعاصمة صنعاء أثناء صلاة الجمعة، في محاولة آثمة لاغتيال رئيس الجمهورية آنذاك الزعيم علي عبدالله صالح وعدد من كبار قيادات الدولة. كانت لحظة دامية بكل المقاييس، إذ تحوّل بيت من بيوت الله إلى ساحة غدر وخيانة، ليسقط فيها عشرات الشهداء من القادة والضباط والجنود، بينهم الشهيد عبد العزيز عبدالغني، ويُصاب أكثر من مائتي شخص، ويُنقل الرئيس لتلقي العلاج في الخارج بعد إصابات خطيرة كادت تودي بحياته.

هذه الجريمة، التي وصفها اليمنيون بجريمة القرن، لم تكن مجرد استهداف لشخص أو مجموعة، بل محاولة لاغتيال وطن بكامله، وتقويض الدولة من أعلى هرمها، وإدخال البلاد في نفق مظلم لا تزال تعاني تبعاته حتى اليوم. لقد مثّلت بداية لمسار طويل من العنف والانهيار، وشكلت نقطة فاصلة في تاريخ اليمن الحديث، حيث فتحت الأبواب أمام الانقسامات، وسمحت بصعود المليشيات، وأدخلت البلاد في أتون حرب لا تزال مستعرة حتى هذه اللحظة.

جريمة دار الرئاسة كانت لحظة انقلاب على التوافق، ومقدمة لانهيار المؤسسات، وولادة حالة من الفوضى استغلتها أطراف داخلية وخارجية لتفكيك اليمن وإضعاف سيادته. تفاقمت بعدها الأزمات، وتشظّت الدولة، وغاب الاستقرار، وانهار الاقتصاد، وتردّت الأوضاع المعيشية، واتسع نطاق الصراع ليأخذ أشكالاً مناطقية وطائفية ومسلحة. ومع مرور السنين، تبيّن أن ما جرى في ذلك اليوم المشؤوم لم يكن حادثاً معزولاً، بل جزءاً من مشروع تخريبي كبير لا يزال ينهش جسد الوطن.

وبرغم مرور أربعة عشر عاماً، تبقى هذه الجريمة جرحاً غائراً في قلب اليمن، لا يمكن تجاوزه أو نسيانه، لأنها لم تطل أشخاصاً فقط، بل طالت الوطن بأكمله، وما تزال آثارها المدمّرة قائمة حتى اليوم. إنها جريمة لا تسقط بالتقادم، ويظل القصاص العادل مطلباً وطنياً وأخلاقياً، ولا بد أن يُقدّم الجناة ومن يقف خلفهم إلى ساحة العدالة، لينالوا الجزاء الرادع، ولتنصف أرواح الشهداء، ولتُطوى صفحة الغدر بالحقيقة والعدالة ، لا بالتجاهل والنسيان.

إن ذكرى استهداف دار الرئاسة يجب أن تظل حاضرة في وجدان كل يمني حر، باعتبارها لحظة خطف للوطن، ودليلاً دامغاً على أن غياب العدالة يؤدي إلى استمرار النزيف، وأن السكوت على الجريمة يمهّد الطريق لجرائم أخرى، وهو ما حدث بالفعل. من هنا، فإن استعادة الدولة تبدأ من استعادة كرامتها وعدالتها، ولن يكون ذلك ممكناً ما لم يُكشَف المستور ويُحاسب المجرمون، ويُصان دم الشهداء، ويُكتب للوطن صفحة جديدة من الأمل والإنصاف والسلام.