المساجد بين القدسية وانتهاكات الحوثيين .. استباحة ممنهجة لبيوت الله
المسجد في الإسلام ليس مجرد بناء حجري، بل هو بيت الله على الأرض، موضع للسكون الإلهي، وملتقى للمؤمنين على ذكره. فيه يُرفع صوت التوحيد، وتتجلى مقاصد العبادة والتربية الروحية. أي مسّ قدسية هذا الصرح، هو مس بصميم الرسالة الإسلامية وأمة الإسلام نفسها. لكن جماعة الحوثي مارست خلال سنوات سيطرتها انتهاكات صارخة بحق المساجد، بطريقة منهجية هدفها تفريغ المساجد من روحانيتها، وتحويلها إلى أدوات للهيمنة والسيطرة.
تفجيرات مروّعة ضد مصلين أبرياء
أبرز مظاهر الانتهاك الحوثي هي الهجمات الانتحارية التي راح ضحيتها عشرات المصلين خلال أدائهم الصلوات. ففي 20 مارس 2015، استهدفت تفجيرات انتحارية متعددة مسجدَي "بدر" و"الحشوش" في صنعاء خلال صلاة الجمعة، وأسفرت عن مقتل ما بين ١٤٢ إلى ١٤٠ شخصاً وإصابة ٣٥١ إلى ٣٥٢ آخرين . وقد تبنّى تنظيم داعش تلك الهجمات، وفق تقارير إعلامية .
بعد أقل من ثلاثة أشهر، في 17–20 يونيو 2015، تعرضت عدة مساجد بينها "القبة الخضراء" و"الكبسي" و"الحشوش" و"قبة المهدي" لتفجيرات وسيارات ملغومة أثناء صلاة المغرب، مما أسفر عن عشرات القتلى والجرحى .
وهكذا، لم يقتصر الأمر على قتل الأبرياء، بل أصبحت المساجد أهدافاً يخشاها المصلون، ولا يمكن اعتبارها ملاذاً آمناً.
استهداف المباني المقدّسة والتاريخية
أما الحروب والتفجيرات فقد طال آثاراً عمرانية لم تبرأ من القصف. فعلى سبيل المثال، تعرض جامع الأشرفية التاريخي في تعز إلى قصف مدفعي من قبل الحوثيين عام يونيو 2015، تسبّب في تهشيم مئذنته الشرقية ونوافذه، رغم أن الهدف المزعوم كان منزلًا قريبًا، بحسب شهود . هذا التدمير لا يطال فقط روح الدين، بل يطال الهوية الثقافية والتراث الإسلامي.
مئات المساجد تنهار أو تستباح: انتهاك ممنهج
وفق تقرير لبرنامج "التواصل مع علماء اليمن"، فقد تم تفجير أو قصف أو اختطاف خطباء في ما يقارب ٧٥٠ مسجداً خلال فترة من ٢٠١٣ حتى نهاية ٢٠١٦. كما اختُطف حوالي ١٥٠ إماماً أو خطيباً، وتم تحويل بعض المساجد إلى مستودعات عسكرية أو ثكنات، أو إلى أماكن لتعاطي القات، ومضة مروّعة لتدنيس حرمة المسجد .
وحسب تقرير الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، خلال الفترة من يناير 2015 إلى أبريل 2022 رُصدت حوالي 3370 حالة انتهاك، شملت قتلاً مباشراً لأئمة ومصلين (109 حالات)، إصابات (132 حالة)، وخطف (376) وتعذيب (52) . كما وثّق التقرير أن الحوثيين حوّلوا المئات من المساجد إلى أماكن للقات والرقص والاعتداء على حرمتها.
منبر النبي – إلى منصة للنزاع والكراهية
انتهاكات الحوثي للمساجد لم تقتصـر على البعد العسكري، بل تعدتها لتحويل المنبر الذي ينبغي أن يكون وسيلة للهداية والتذكير، إلى وسيلة للشتم والتحريض السياسي. فقد فرضوا خطباء موالين لهم، يرفعون أصواتاً منصّة بالكراهية والسباب السياسي والطائفي، في ضرب واضح لآداب المنبر الإسلامي، الذي يُفترض أن يُغرس فيه الزواج المقدس بين الخُطب والأخلاق.
استغلال دور العبادة للأطفال في مغازي طائفية
في وجه مشروعاتهم التدميرية، لم يكتف الحوثيون بذلك، بل إنّ منبر "الجامع الكبير" في صنعاء اختُطف إلى فعالية اعتادوا فيها على استقطاب ما يقارب ١٢٠٠ طفل ومراهق لحلقات صيفية طائفية، مع تخصيص ٨٠ مليون ريال يمني للنشاط التطييفي في حدود ثلاثة أشهر فقط، ضمن مشروع تعبوي يستهدف غسيل عقول الأجيال وتهيئتهم لاستقبال خطاب التعصّب .
القات داخل المساجد – تحطيم روحانية العبادة
من إنجازات الحوثيين السوداء أيضاً، تحويل بعض المساجد إلى مجالس لتناول القات، ونوادي لهو، كما ورد في التقارير الحقوقية، بما يُظهر استهانة غير مسبوقة بحرمة المكان، ويُبيح تحويله إلى بيئة فساد وعبث.
خلاصة موجعة
لقد أساء الحوثيون إلى المسجد بكل وسيلة ممكنة: بالتفجير، بالقصف، بتحويله للرقص والقات، بالضرب على المنبر السياسي، واستغلاله للتعبئة الطائفية. ما يجري هو مشروع ممنهج لاستباحة حرمة بيوت الله ومسح الهُويَّة الدينية والاجتماعية للأمة.
دعوة لاستعادة بيت الله
لا بد الآن من استعادة المساجد من أيدي الحوثيين، وألا تُترك المساجد للتحريف السياسي أو الطائفي أو العسكري. يجب أن يعود المسجد إلى رسالته الأصلية: بيت لله، ومركز للعلم، ومحفل للأسرة والمجتمع، ومزهِر للفضيلة والأخلاق.
المسجد هو روح الأمة، وهو الحصن الذي حمى الأمة؛ إن تركناه لهدم طائفي ممنهج، فسيفقد الناس يقينهم بالله أولاً، ثم بالله في الناس. من واجب اليمنيين والعالم الإسلامي أن يُعيدوا للمساجد هويتها الحقيقية، ويحموا حرمتها، حتى تعود نوراً وهُدى.