في ذكرى ثورة 26 سبتمبر الخالدة .. وقفة تاريخية لتوعية أجيال المستقبل.. لن يبقى في الذاكرة إلا الأحرار الذين قالوا الكلمة الفاصلة

في ذكرى ثورة 26 سبتمبر الخالدة .. وقفة تاريخية لتوعية أجيال المستقبل..  لن يبقى في الذاكرة إلا الأحرار الذين قالوا الكلمة الفاصلة
مشاركة الخبر:

يعيش اليمنيون في مناطق سيطرة عصابة الحوثي الإيرانية موتاً بطيئاً؛ أطفال يتضورون جوعاً، وعائلات تبحث في القمامة سراً عن لقمة تسد رمقها بكرامةٍ مهدورة.

هذا ليس واقعاً عرفته اليمن منذ فجر ثورة 26 سبتمبر 1962، بل مشهد يعيد إلى الأذهان تاريخ الإمامة البائد الذي تجسّد منذ أربعة عشر عاماً على هيئة غبار قادم من كهوف مران، يحمل فكراً إيرانياً يقدّس الظلم والاضطهاد، ويكره الحياة والعيش الكريم والمساواة بين الناس في الواجبات والحقوق.

هذا ليس قدراً، بل نتيجة مباشرة لممارسات عصابة الحوثي ونهبها ثروات البلاد في مناطق سيطرتها، والمتاجرة بحياة ومعاناة اليمنيين، والمتاجرة بقضايا الأمة، فيما تعيش عناصرها الإرهابية في قصور فارهة، وحياة غارقة في الملذات، ولديها استثمارات خارجية في لبنان وإيران والعراق بمليارات الدولارات، وتمويل حروب عبثية تنفيذاً لإملاءات النظام في طهران، والتي لم تجلب لليمنيين سوى الدمار والخراب.

إنها مأساة وطن مختطف بيد عصابة لا ترى في الشعب إلا وقوداً لحروبها، لكن مهما طال الليل، فجر الحرية قادم، وسيستعيد اليمنيون حقهم في حياة كريمة.

تاريخ أسود لخوارج إيران
منذ تاريخ الصراع الديني الذي قادته فرقة من الخوارج المدفوعين من أحبار اليهود، مروراً بالأئمة والحكام السلاليين في كل عصر ومكان، وصولاً إلى الخميني وخامنئي وثورتهم الخبيثة، وانتهاءً بعبدالملك الحوثي في كهوف مران بصعدة، لم يقدّم هؤلاء للأمة أي منجز يُذكر؛ لا في الدين، ولا في العلم، ولا في شؤون الدنيا.
سجلهم خالٍ من الخير والمنفعة، لكنه مكتظ بالتمرد والفتن والتمزيق والاقتتال، والموت والخراب، والفقر والجوع، والتشريد والأزمات.
وبالنظر إلى عهد ما يسمى "الخلافة الفاطمية" – وهم فرس إيرانيون ملحدون حكموا مصر باسم خرافة "ألو البيتي" و"ألوهية علي وفاطمة" – عاشت مصر في عهدهم كل أنواع الفقر والجوع والأمراض حتى يُروى أن الناس أكلوا "جثث الموتى".
هذا النوع من الحكم المدّعي الحق الإلهي يعرفه اليمنيون جيداً منذ ظهور فكره مجدداً في مران منذ مطلع الألفية، وهو المشهد ذاته الذي يتكرر اليوم في مناطق الحوثيين: فقر وجوع وأوبئة وأمراض، وقتل ونهب وسلب وانتهاكات متعددة. ومن مصطلحات فكرهم "من أحبنا آل البيت فليستعد للبلاء جلباباً" و"جوع كلبك يتبعك".

فظائع عهدهم
انطبع عهد الإمامة البائد بأنه عصر "الكتن والقمل والبراغيث، والمجاعة والجهل والخوف، والأوبئة"، حتى صار الناس يؤرخون الأحداث – مواليدهم ووفاتهم وغيرها – حسب الجوائح: عام الجدري، سنة السبعي، بعد عام الكوليرا، قبل سنة الطاعون، سنة الجرب، عام الجذام، سنة الحلص، عام المجاعة... وهكذا كانت أعوامهم كلها مآسي وجوائح.
ووصف أحد الشعراء عصر الإمامة في اليمن بقوله:
جهلٌ وأمراضٌ وظلمٌ فادحٌ
ومخافةٌ ومجاعةٌ وإمامُ
واليوم، تعود هذه الآفات والأمراض والأزمات في عهد سطوة فلول غبار الإمامة الحوثيين على مناطق سيطرتهم وغيرها، لتعيد للشعب اليمني أيّاماً مماثلة لما كانت قبل ثورة 26 سبتمبر 1962.
اليوم حال أهلنا في مناطق سيطرة الحوثيين هو ذاته: جُفّفت منابع التعليم، وأُمّمت مصادره، وجُوِّع المعلّمون، وطُورد الأكاديميون والمثقفون، ونُشرت الخرافة والشعوذة، ونُهبت الأموال، وضُيّق على الناس في معايشهم وتجارتهم، حتى حلّت الأمراض والفقر والجوع والأوبئة، وعادت "التكن" والقمل والكلاب المسعورة، لتعبر عن حجم الخراب الذي أصاب الأرض والإنسان بسطوة فلول الإمامة.
لكن التاريخ علّمنا أن ليل الإمامة مهما طال، سيبدّده فجر الحرية، فإن اليمن – أرض الأحرار – ولادة الرجال، ستجعل لليل الحوثي يوماً قريباً أشدّ وأنكى، يجتثّ خُبثهم ويرسلهم إلى مزبلة التاريخ بجوار أسلافهم الآثمين مع متلازماتهم من جوع وفقر وجهل وتكن وقمل وقذارات وأوبئة، ولتشرق شمس الحرية والعزة والعافية على اليمن الجمهوري من جديد.

البعد العابر للفكر الضال
قد يكون مصطلح "الإمامة الحوثية" بعيداً عن التداول في الأوساط الثقافية والسياسية العربية حتى فترة قريبة، إلا أن طبيعة الصراع الأخير في اليمن والتداعيات التي أعقبت نجاح ثورة 26 سبتمبر 1962، مكّنت العديد من الباحثين والمهتمين من كشف الحقائق التاريخية والسياسية للإمامة، بوصفها مكوناً فكرياً وسياسياً سرياً، ذا امتدادات دولية تتجاوز حدود الدولة الوطنية في العديد من البلدان.
لم يكن لبقايا الإمامة تأثير يُذكر منذ ثورة 26 سبتمبر، إذ ظلت تلك البقايا عبارة عن أسر منعزلة تتوزع في مناطق معينة من صنعاء وذمار وإب وحجة وعمران وصعدة، ولم يكن لها حضور ظاهر في مسألة استعادة الإمامة، بل ظلت تعمل في الخفاء وبحذر شديد، لإدراكها أن مجرد الحديث عن إعادة عقارب الزمن إلى عهد الإمامة يثير غضب وسخط اليمنيين، لِقدسية الحدث وعظمة الإنجاز الذي خلّصهم من كابوس الظلم والاضطهاد والتخلف.
ووفقاً لكتب التاريخ، فإن تلك الأسر ظلت – رغم تشتتها في جغرافيا اليمن شمالاً – تنمي رابطة الهوية والانتماء إلى قناعاتها العقائدية والفكرية، وتتغذى على نظرة استعلائية للذات المزعومة، وترى أن مجرد الانتساب إليها شرف يستدعي من المجتمعات التي تعيش بينها منحها امتيازات خاصة تعتبرها "حقاً مشروعاً".

أخطر تجمع عرفه اليمن
تشكّل من تلك الأسر ما يُعرف اليوم بأخطر التجمعات السكنية في اليمن، خاصة تلك التي تعتنق فكر الهادوية الذي انبثق منه فكر الحوثيين. وقد ظلّوا يتسللون إلى المجتمع كأسر محددة لا كتيار مذهبي ظاهر، ولم تتشكل لهم هوية سياسية أو دينية جامعة إلا في إطار الانتماء للشيعة العابر للحدود، بعيداً عن الزيدية اليمنية المعروفة والقريبة من السنة – كما قال العلامة محمد بن إسماعيل العمراني.
وما زاد من خطورة تلك الأسر أن أبناءها انتشروا في أوساط الأحزاب والتيارات السياسية، فنجد منهم الماركسي والبعثي والناصري والاشتراكي، وحتى الملحد الذي ينكر وجود الخالق لكنه يؤمن بقداسة نسبه العلوي الفاطمي. ومنهم من انتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين، أو الأحزاب العلمانية والليبرالية، بل وصل الأمر إلى انخراط بعضهم في قيادة التنظيمات الإرهابية مثل داعش والقاعدة.
توزعت عناصر الحوثي الإرهابية بين مختلف الثقافات والتيارات بما يشبه التنظيم السري أو جهاز مخابرات، وانتقلت في تكوينها بين كل الفئات والمذاهب واختلطت بالتجارب، لكنها رغم ذلك ظلت تعتنق فكر الضلال والتمرد، وتحمل بذرة العنف والإرهاب، وترى في الآخرين عبيداً لها، وتدّعي امتلاك الحق الإلهي في الحكم والحياة دون غيرها.

الحفاظ على فكرة الهدم
تؤكد المصادر التاريخية أن هذه الأسر ظلت متمسكة بفكرة "الحق الإلهي" في الحكم، ولم تتخلَّ عنها إلا من باب التقية والتكتيك المرحلي تحت ضغط سلطة الدولة. ومتى ما ضعفت الدولة أو تم اختراقها، تكالبت تلك الأسر على إسقاطها بغرض إعادة إقامة دولتها وإمامتها المزعومة.
وما حدث في اليمن بعد نكبة فبراير 2011 كان مثالاً صارخاً، حيث وجد الفكر الحوثي الإمامي التمويل من إيران والدعم السياسي من الإخوان المسلمين لتمكينه من تنفيذ انقلابه على الدولة في 21 سبتمبر 2014، كاشفاً وجه تلك الأسر المندسّة في جسد الأمة اليمنية، والمتخفية وراء عباءة الزيدية.
وبالعودة إلى التاريخ، نجد أن هذا الفكر يتقن التلون والتطويع لتحقيق أهدافه، كما فعل بتحالفه مع الفرس لإسقاط دول إسلامية وإضعاف أخرى.
غالباً ما تُستخدم الروابط المذهبية لكسب ولاء الجماهير الشيعية، كما يحدث في لبنان والعراق وإيران وأفغانستان وباكستان والهند وغيرها، حيث يُبنى الخطاب السياسي على مرجعيات دينية في قم والنجف، لتشكيل هوية شيعية متماسكة وعابرة للحدود.
لقد تشكل العقل الجمعي لغالبية المنتمين إلى ما يسمى "آل البيت الفارسي" على فكرة التمييز والمظلومية، وهي فكرة يُغذّيها بعدٌ ديني تأويلي مختلق وروايات تاريخية مصطنعة، لتعزيز مكانتهم وادعاء أحقّيتهم بالحكم.
ومنحت الثورة الخمينية في إيران بيئة سياسية وفكرية واجتماعية حاضنة لتلك الجماعات الضالة، على غرار ما جرى تاريخياً من محاولات لهدم الدولة الإسلامية من الداخل عبر الحركات الباطنية. ومن أبرز تجليات ذلك دعم النظام الإيراني للعلويين في سوريا، ولحزب الله في لبنان، وللحوثيين في اليمن، وتشجيع التظاهر والاحتجاج في بعض دول الخليج وتحريض مواطنيها على تبني خطاب طائفي يتصادم مع الدولة.
كما عملت إيران على توثيق علاقاتها بأسر وجماعات ذات الفكر نفسه في السودان وتونس والجزائر ودول إفريقية أخرى، في محاولة لتشكيل تحالفات سياسية واجتماعية تؤطر لمشروع التشيع السياسي، وتعطي تلك الجماعات مكانة متقدمة في المشهد الإقليمي.

تكوين علاقات عالمية
تمكنت هذه الأسر، عبر إيران، من تكوين علاقات مع القوى العالمية الكبرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل والصين وروسيا، بما يمكّنها من لعب دور وظيفي في تنفيذ مخططات تلك الدول في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج والقرن الإفريقي.
ويتم ذلك عبر إدارة مؤسسات إعلامية ومراكز بحث ومواقع رقمية مؤثرة تتبنى خطاب التمييز والتفوق العرقي المذهبي الموالي لآل البيت – حسب زعمهم – وتستعدي التيارات والأنظمة السنية الحاكمة في المنطقة.
وهكذا يمكن القول إن الفكر الشيعي الإيراني – بطبيعته الإرهابية – تجاوز الحدود وتجاوز كل الاتفاقيات والاعتبارات السياسية، حتى بات يشكل خطراً على الجميع. وما هجمات الحوثيين على سفن الملاحة والتجارة والنفط في البحر الأحمر وخليج عدن إلا دليل صارخ على ذلك.
ووفقاً لتقارير استخباراتية، استغلت إيران هذا الفكر لتحقيق أجندتها في المنطقة، فمدّت الجماعات التابعة لها بالسلاح والتمويل عبر تجارة المخدرات والدعارة والأعضاء البشرية وتهريب البشر، وبناء تحالفات مع كيانات إرهابية تظهر العداء للغرب مثل داعش والقاعدة، لكنها في نهاية المطاف تخدم الهدف الإيراني في تقويض استقرار المنطقة.

وجه الحوثية الحقيقي
ومن خلال ذلك السرد ينكشف غطاء الوهم والزيف الذي ترتديه العصابة الحوثية عبر ادعائها التمسك بالإسلام ومبادئ الدين وأهدافه، في حين أن حقيقتها أنها تستخدم تلك العباءة الدينية للتأثير على البسطاء من الناس، كما تستخدم قضايا الأمة – كقضية غزة – لأغراض خبيثة تخدم إيران، وتعرض اليمن واليمنيين للخطر.
ومثلما يلبسون الدين ويمارسون الزيف والتضليل والادعاءات، يلبسون العلم الجمهوري، لطمس ثورة 26 سبتمبر المجيدة، واستغلال رموزها للترويج لنكبتهم. والدليل على ذلك تحذير القاطنين في مناطق سيطرتهم من الاحتفال بذكرى ثورة 26 سبتمبر، ومحاولاتهم المستميتة لطمس كل ما يشير إلى الثورة اليمنية المباركة، مثل إزالة دبابة الحرية من ميدان التحرير، وتغيير واجهة القصر الجمهوري، وتغيير أسماء بعض المدارس والشوارع في مناطقهم، واستهداف المناهج الدراسية.
ومن الأمور التي تكشف زيف ادعائهم معاداة إسرائيل، ما تم كشفه مؤخراً من علاقات تجارية تربطهم بشركات إسرائيلية عالمية لها مكاتب تجارية في صنعاء، وكذلك ما تم ضبطه من أجهزة تجسس إسرائيلية كانت ضمن شحنة أسلحة إيرانية أثناء محاولة تهريبها إلى الحوثيين.
ومنذ انقلابها، عملت الحوثية على ترسيخ علاقتها بإسرائيل من خلال تقديم نسخة نادرة ووحيدة من التوراة كانت تحتفظ بها اليمن في خزانة البنك المركزي اليمني، والتي نهبتها العصابة عقب انقلابها.
وقبل ذلك، ساعد الإمام أحمد – أواخر عام 1949 – في نقل يهود اليمن إلى إسرائيل، عبر تعيين موفد خاص له بالتنسيق مع الوكالة اليهودية في عدن آنذاك، ويدعى أحمد القريطي، لتسهيل ترحيل اليهود إلى إسرائيل فيما عُرف بـ"عملية بساط الريح"، والتي تم خلالها إجلاء حوالي 12 ألفاً من نساء ورجال وأطفال يهود اليمن.