دلالة ثورة 26 سبتمبر في الوعي الجمعي وموقف الحوثيين المعادي لها

دلالة ثورة 26 سبتمبر في الوعي الجمعي وموقف الحوثيين المعادي لها
مشاركة الخبر:

لم تعد ثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيدة مجرد ذكرى أو انتصار في وجدان الشعب اليمني، بل تمثل مدرسة في النضال والتضحيات، وتعبيرًا عن الهوية الوطنية التي تنشد الحرية والديمقراطية والعدل والمساواة والتنمية.

تحمل ثورة 26 سبتمبر 1962 في اليمن دلالة محورية في الوعي الجمعي للشعب اليمني، باعتبارها الحدث التأسيسي الذي أخرج البلاد من نفق الإمامة الكهنوتي المظلم وفتح الباب أمام الدولة الوطنية الحديثة القائمة على النظام الجمهوري والمساواة والمواطنة. فهي ليست مجرد ثورة سياسية ضد نظام حكم، بل لحظة فارقة في التاريخ اليمني المعاصر أسست لمرحلة جديدة من النهوض الوطني، والعدالة الاجتماعية، وتحرر الإنسان اليمني من العبودية والتسلط الوراثي.

على مدى أكثر من نصف قرن، ظلت ذكرى 26 سبتمبر مناسبة وطنية راسخة في وجدان اليمنيين، تحتفي بها الأجيال وتتناقلها الذاكرة الشعبية كرمز للكرامة والتحرر والهوية الوطنية الجامعة، بعيدًا عن الانتماءات الطائفية أو المناطقية. غير أن هذه المكانة الرمزية والوطنية لثورة سبتمبر وجدت نفسها في مواجهة مشروع مضاد من قبل مليشيا الحوثي الإرهابية، التي نفذت انقلابًا على الدولة اليمنية في 21 سبتمبر 2014، حاملةً معها رؤية إمامية جديدة تحاول إعادة إنتاج الماضي الكهنوتي بثوب طائفي معاصر، وتعمل بشكل ممنهج على طمس معالم ثورة سبتمبر، والتشكيك في مشروعها الوطني، وإقصائها من الوعي العام.

منذ أن نفذت مليشيا الحوثي انقلابها على الدولة في 21 سبتمبر 2014، شرعت بخطى حثيثة وممنهجة في محو ملامح ثورة 26 سبتمبر 1962 من الوعي الوطني الجمعي لليمنيين.

بدأت المليشيا حملة ممنهجة لإقصاء رمزية ثورة سبتمبر. أولى خطوات هذا المسار تمثلت في إزالة أهداف الثورة من الصفحة الأولى لصحيفة "الثورة" الرسمية، واستبدالها بمقولات تعبوية لقيادات حوثية.

هذا التغيير لم يكن مجرد إجراء شكلي، بل يعكس توجهًا أعمق يستهدف تغيير الهوية الوطنية الجامعة لصالح مشروع طائفي مغلق.

المناهج الدراسية لم تسلم من العبث الحوثي، حيث عمدت المليشيا إلى تحوير أهداف الثورة في كتب التعليم الأساسي. فعلى سبيل المثال، أُزيلت فقرة "إزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات" من كتاب التربية الوطنية للصف الخامس الابتدائي، في مؤشر واضح على رفض المليشيا لمفاهيم العدالة الاجتماعية والمساواة، التي كانت من صميم أهداف الثورة اليمنية.

وتمادى في محاولات طمس هذه المناسبة الوطنية، فألغت المليشيا ذكرى 26 سبتمبر من التقويم الدراسي الرسمي، واستبدلتها بجملة من المناسبات ذات الطابع الطائفي، مثل: "الذكرى السنوية للشهيد"، وذكرى مصرع حسين الحوثي، و"ذكرى الصرخة"، و"يوم القدس العالمي"، وذكرى مقتل صالح الصماد، و"رحيل بدر الدين الحوثي". هذه المناسبات تم تقديمها كبدائل وطنية، في محاولة لإعادة تشكيل الذاكرة الوطنية برؤية مذهبية ضيقة.

وفي إطار هذا النهج، قامت المليشيا بتغيير أسماء المدارس والمنشآت التي تحمل أسماء رموز وطنية أو أحداثًا تاريخية مرتبطة بثورات اليمن، واستبدلتها بأسماء ذات طابع طائفي أو تحمل أسماء قيادات حوثية، في مسعى واضح لفرض رؤيتها الأيديولوجية على الفضاء العام، وتفريغ المجتمع من رموزه الوطنية الجامعة.

ما تقوم به عصابة الحوثي ليس مجرد إقصاء لتاريخ أو تهميش لمناسبة، بل هو مشروع متكامل لتزييف الوعي الوطني، وبناء ذاكرة بديلة تقصي الهوية الجمهورية، وتحل محلها سردية طائفية تهدف إلى إعادة اليمن إلى عهد الإمامة بثوب معاصر.

سيظل يوم السادس والعشرين من سبتمبر 1962، على مر التاريخ، رمزًا لنهاية الظلم والطغيان، وعنوانًا للمقاومة من أجل الحرية والاستقلال، رغم ما تواجهه من تحديات ومحاولات تجريف من قبل عصابة الحوثي الإرهابية الكهنوتية، التي تعمل جاهدًا على إعادة الإمامة من جديد.

ففي كل عام، تتحول ذكرى الثورة إلى مناسبة للتأكيد على رفض العودة إلى الإمامة، وللتذكير بأن المشروع الحوثي ما هو إلا امتداد لذلك النظام الذي أسقطه الشعب اليمني في 1962 بعد كفاح مرير.

وقد أظهرت وسائل التواصل الاجتماعي، كما الأنشطة والفعاليات الشعبية، أن جذوة الثورة لا تزال مشتعلة، وأن الوعي الجمعي لليمنيين لا يزال وفياً لثورة سبتمبر، باعتبارها رمز الحرية والخلاص الوطني، في مقابل مشروع الحوثيين الذي يقوم على التمييز الطبقي، والاستعلاء السلالي، وتكريس الطاعة المطلقة لرموز وقادة المليشيا.