من واقع ذكرى ثورة 14 أكتوبر.. ملامح وجدان نضال مشترك ووعي مجتمعي يرسم طريق المستقبل
في الذكرى الثانية والستين لثورة الرابع عشر من أكتوبر، نقف أمام بعضٍ من النضال السري لأبناء تعز المقيمين في عدن إبان الاستعمار البريطاني، وكيف أسهموا في دعم المناضلين والأحرار الذين مثلوا كل اليمن. فقد كانت العمليات الفدائية سمةً مشتركة بين أحرار الوطن شمالًا وجنوبًا؛ بين أبناء المناطق المحتلة وأبناء المناطق التي كانت ترزح تحت حكم الإمامة المتخلف.
من واقع الثورة
عبده عبدالله الدحان الأغبري، والد الراحل الكبير الأستاذ صالح الدحان، الصحفي المرموق وصاحب أول مجموعة قصصية صدرت في اليمن عام 1957 عن دار البعث بعدن بعنوان (أنت شيوعي).
ارتبط الدحان الأب وجدانيًا برموز حزب الأحرار والجمعية اليمانية الكبرى منذ أربعينيات القرن الماضي، حين كان يدير مع رفيقه قائد الأغبري مطعمًا في نادي البحارة، ثم فندق المارينا في مديرية التواهي بعدن، حيث قدّما خدمات جليلة لرموز النضال والتحرر لثورتي سبتمبر وأكتوبر أثناء تواجدهم في عدن آنذاك.
تشير المعلومات التاريخية إلى أن الدحان كان ضمن الفدائيين الذين غادروا عدن في أواخر فبراير من العام 1948 برفقة النعمان للدفاع عن الثورة الدستورية بعد مقتل الإمام يحيى والإطاحة بحكمه، غير أن القوات الموالية للإمام الجديد أحمد حميد الدين ألقت القبض عليهم في ذمار قبل أن يصلوا صنعاء.
وكان الدحان قبل مغادرته عدن مسؤولًا عن جمع التبرعات للمناضلين الأحرار شمالًا وجنوبًا، والمقدمة من الأندية الاجتماعية التي أنشئت في عدن آنذاك، مثل نادي الأغبري لأبناء الأغابر من تعز المقيمين في عدن.
وفي منتصف الخمسينيات تولى مع رفيقه قائد إدارة فندق الجزيرة في ميدان كريتر، الذي كان تحفة معمارية جميلة ويقدم خدمات راقية. خصص الدحان ورفيقه شرفة الفندق الأمامية للمثقفين والسياسيين المعارضين، حيث كانوا يجتمعون مساءً للنقاش في قضايا الثورة ضد الإمامة والاستعمار. وسُمّيت حينها بـ "شرفة الخليج الثائر"، كما يروي المرحوم حسين السفاري، مشيرًا إلى أن تلك الشرفة شكّلت منطقة دعم لوجستي لثوار 14 أكتوبر والفدائيين الأحرار من خلال توفير الطعام والمأوى لهم بعد تنفيذ العمليات ضد المستعمر.
كما كانت تلك الشرفة نافذة ثقافية تزلزل الاستعمار والإمامة معًا، إذ ضمّت بين روادها نخبة من المثقفين والأدباء والشعراء، إلى جانب رواد الفكر مثل محمد أحمد النعمان، ومحمد سعيد مسواط، ومحمد سالم علي، وعلي محمد عبده وغيرهم.
كلمات ثورية مشتركة
برزت الأغاني الوطنية الموحدة في عهد الثورة اليمنية كنتاج طبيعي للنضال المشترك بين أبناء الوطن شمالًا وجنوبًا. وكان الفنان الكبير محمد مرشد ناجي أحد أبرز الأصوات التي صدحت من الجنوب إلى الشمال، فصارت أغانيه وأناشيده من عناوين الثورة اليمنية. كثير من أغانيه الثورية كانت دعمًا مباشرًا لثورة سبتمبر، لحّنها وغنّاها في "مبارز قات"، وكان الكورس فيها من أصدقائه، مثل أغنية "يا طير يا رمادي" للشاعر سعيد الشيباني، وأنشودة "أنا الشعب" لعلي عبد العزيز نصر، التي يقول عنها المرشدي في كتابه (أغنيات وحكايات):
"أول ما سمعت بنبأ ثورة سبتمبر 1962، سهرت تلك الليلة في تلحين قصيدة (أنا الشعب)، وسجلتها مع (يا طير يا رمادي) في المبرز الذي كان يملكه الصديق محمد عثمان ناصر في الشيخ عثمان، على مسجل عادي، وأرسلنا الشريط فورًا إلى إذاعة صنعاء".
ومن كلماتها الخالدة:
أنا الشعب زلزلة عاتية / ستخمد نيرانهم غضبتي / ستخرس أصواتهم صيحتي / أنا الشعب عاصفة الطاغية.
ومثلما غنّى المرشدي لسبتمبر، غنّى أيضًا لأكتوبر ونوفمبر والعروبة، ومن أشهر ما أنشد قصيدة لطفي جعفر أمان:
يا بلادي كلما أبصرتُ شمسان الأبي / شاهقًا في كبرياء حرة لم تُغلبِ...
يا بلادي يا بلاد العربِ...
ثورة وعي مجتمعي
ونحن نحتفل بذكرى ثورة 14 أكتوبر الثالثة والستين، نتجاوز الحاضر إلى ذاكرة مليئة بالمحطات التاريخية المشتركة لثورة الوعي والثقافة، التي انطلقت شرارتها من صنعاء في سبتمبر، واكتملت في عدن، لتشكل وعيًا مجتمعيًا نقل اليمنيين من شرذمة الإمامة والاستعمار إلى وعي الوحدة والتحرر.
لقد تحوّل التحرر الثقافي الذي أفرزته ثورة أكتوبر إلى ينبوع فكري أروى ظمأ الشعب للحداثة، وأيقظ في وعيه توقًا للانعتاق، حتى غدت تلك الثورة ثقافة مؤسسية، تجلّت في بروز نخبة من الرجال الذين صاغوا ملامح الدولة الحديثة كقحطان الشعبي وسالمين وعنتر وفتاح جنوبًا، والسلال والحمدي والزعيم الصالح شمالًا، الذين سعوا لاستعادة الوحدة ودور اليمن الحضاري.
إن عظمة ثورة 14 أكتوبر راسخة في وجدان كل يمني حر، لأنها روح حية من قيم التحرر والكرامة والتضامن الإنساني، وشعلة تنير الطريق نحو الغد. بها انتصر الآباء، وبها سيبني الأبناء يمنًا موحدًا آمنًا مزدهرًا.
فمن خلال ثورتي سبتمبر وأكتوبر، انتزع اليمنيون حريتهم، وبوحدة الصف والسلاح كسروا الطغيان والاستعمار، وقدموا للعالم دروسًا في العزم والتلاحم الوطني.
وأخيرًا..
لا يمكن فصل الكيان الوجداني لليمنيين أو شق صفهم أو التأثير على نسيجهم الاجتماعي الذي تشكل تحت المعاناة والظلم، وتوحد تحت راية النضال والتحرر والثورة المشتركة. تجلى ذلك كله في عرس 22 مايو 1990، يوم رفع الرئيس الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح ونائبه علي سالم البيض علم الوحدة في عدن.
ذلك العلم ذاته كان راية التحرر التي رُفعت بعد الاستقلال من الاستعمار، علم الجبهة القومية التي قادت الكفاح المسلح المشترك. أما ما يُروّج له اليوم بأن علم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية هو علم ثورة 14 أكتوبر فذلك مغالطة للتاريخ، إذ إن علم الجمهورية اليمنية هو ذاته علم التحرر الذي رُفع عقب الاستقلال في جنوب الوطن.