إتجار الحوثيين بالبشر.. بيع أطفال دور الأيتام في صنعاء وتهريبهم إلى الخارج
لطالما كانت دور الأيتام في اليمن الملاذ الآمن للأطفال الذين قست عليهم الحياة وحرموا من دفء الأسرة، فوجدوا فيها البيت الذي يؤويهم، والمدرسة التي تعلمهم، والأسرة التي تحتضنهم وتؤمن لهم احتياجاتهم الأساسية. كانت هذه الدور رمزاً للرعاية والإنسانية، حيث نال الأطفال فيها الاهتمام والعون حتى تمكن كثير منهم من الاندماج في المجتمع وأصبحوا أطباءً ومهندسين ومعلمين وقيادات فاعلة في خدمة وطنهم.
غير أن هذا الواقع الإنساني تغيّر جذرياً بعد انقلاب مليشيا الحوثي على الدولة، إذ تحولت دور الأيتام إلى بؤر للانتهاك والاستغلال، وفقد الأطفال فيها الأمن والرعاية التي اعتادوها. أغلقت المليشيا العديد من هذه الدور، ونهبت المساعدات المخصصة للأطفال، وألغت المشاريع التأهيلية التي كانت تهدف إلى بناء قدراتهم وتمكينهم من حياة كريمة.
وبدل أن تكون هذه المؤسسات مأوى للضعفاء، أصبحت في ظل حكم الحوثي مناجم بشرية يُستغل فيها الأطفال في أبشع صور الاتجار. تعتمد المليشيا في حربها ضد الدولة على تجنيد الأطفال والزجّ بهم في جبهات القتال، مستخدمة أساليب تضليلية واستقطابية عبر المدارس والمساجد ومراكز التعليم، حيث تُغرس في عقول الصغار أفكار طائفية وعدوانية تحت شعارات مثل "التصدي للعدوان" و"محاربة الدواعش". كما تلجأ المليشيا إلى الخطف لمن يرفض الانخراط في صفوفها، مستغلةً فقر الأسر وحاجتها لتجنيد أبنائها مقابل إغراءات مالية أو وعود كاذبة، في صورة من صور الاتجار بالبشر.
واتخذ الحوثيون من دور الأيتام وسيلةً جديدة لتحقيق مآربهم، متبعين نهج الحرس الثوري الإيراني الذي حوّل دور الرعاية إلى مراكز تغذية للنشاطات الإرهابية المزعزعة للاستقرار الإقليمي والدولي. وتغضّ سلطات الحوثي في صنعاء الطرف عن هذه الجرائم، بل تشارك في نهب أموال الأيتام التي تُقدّر بعشرات الملايين من الدولارات، وتوظفها في تمويل حربها العبثية على حساب الطفولة اليمنية.
ومن أبشع الجرائم التي سُجلت مؤخراً بيع بعض الأطفال الرضع وتسليمهم لمشترين يتم تسجيلهم بأسمائهم الجديدة دون أي متابعة قانونية أو إنسانية، كما جرى تهريب بعض الأيتام إلى الخارج ضمن شبكات منظمة للاتجار بالبشر. وقد كُشف أحد هذه الملفات عندما رفضت السفارة الأمريكية في تركيا منح تأشيرة دخول لزوجين من صنعاء بعد أن تبين من فحص الحمض النووي (DNA) أن الطفلة التي قدماها ليست ابنتهما، وإنما إحدى ضحايا التهريب والاتجار بالأطفال.
تُعد هذه الممارسات انتهاكاً صارخاً للحقوق الأساسية للإنسان وشكلاً من أشكال العبودية الحديثة، لما فيها من امتهان لكرامة الإنسان وتهديد مباشر لأمن المجتمع وسلامته. وهي جرائم تتطلب تحركاً عاجلاً على المستويات القانونية والأمنية والاجتماعية والإعلامية لمكافحتها ووضع حد لمعاناة الأطفال الذين أصبحوا سلعة في سوق المليشيا السوداء.