فريق خبراء الأمم المتحدة يكشف استمرار تدفق الأسلحة والتمويل غير المشروع رغم قرارات الحظر، وتورط الميليشيا في قمع وحشي وانتهاكات ممنهجة بحق المدنيين.

فريق خبراء الأمم المتحدة يكشف استمرار تدفق الأسلحة والتمويل غير المشروع رغم قرارات الحظر، وتورط الميليشيا في قمع وحشي وانتهاكات ممنهجة بحق المدنيين.
مشاركة الخبر:

كشف التقرير السنوي لفريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي المعني باليمن عن صورة قاتمة للوضعين الأمني والإنساني في البلاد، مسلطاً الضوء على استمرار تدفق الأسلحة والمعدات العسكرية إلى جماعة الحوثي عبر شبكات تهريب بحرية وبرية، بما يشكّل انتهاكاً صريحاً لقرارات مجلس الأمن الخاصة بحظر توريد السلاح إلى اليمن.
ويغطي التقرير الفترة الممتدة من أغسطس 2024 حتى يوليو 2025، حيث رصد تصاعد الأنشطة العسكرية للحوثيين واتساع نطاق تهديدهم للأمن الإقليمي والملاحة الدولية، إلى جانب تدهور الأوضاع الإنسانية والسياسية في ظل الجمود المستمر لعملية السلام.

أولاً: استمرار تهريب الأسلحة وتعزيز القدرات العسكرية للحوثيين

أشار التقرير إلى أن جماعة الحوثي تلقت شحنات من الصواريخ والطائرات المسيّرة وأنظمة الاتصال والذخائر المتقدمة عبر منافذ شحن وصرفيت مع سلطنة عمان، إضافة إلى مسارات بحرية استخدمتها شبكات تهريب مرتبطة بإيران أو مدعومة من أطراف إقليمية حليفة.
وأكد فريق الخبراء أن هذه الشحنات أسهمت في تعزيز القدرات القتالية للحوثيين، ومكّنتهم من تطوير منظومات هجومية متقدمة تُستخدم في تنفيذ هجمات ضد السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، مما يهدد أمن الملاحة الدولية في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

كما وثّق التقرير ضبط أكثر من 750 طناً من الذخائر والمعدات العسكرية خلال يونيو 2025، في مؤشر على اتساع نطاق عمليات التهريب واستمرار خرق قرارات الحظر الدولي.

ثانياً: التصعيد العسكري الإقليمي وتأثير الحرب في غزة

بيّن التقرير أن النزاع اليمني تأثر بصورة مباشرة بالتحولات الإقليمية، وخاصة الحرب في غزة، التي استغلها الحوثيون لتبرير تصعيد هجماتهم ضد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، تحت شعار “نصرة فلسطين”.
ووفقاً للتقرير، نفذت الجماعة أكثر من 220 هجوماً بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد إسرائيل خلال الفترة المشمولة، ما استدعى ردوداً عسكرية مكثفة من الولايات المتحدة وإسرائيل وبريطانيا تمثلت في ضربات جوية استهدفت مواقع الحوثيين في الحديدة وصنعاء، وألحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية، شملت مطار صنعاء الدولي وتدمير طائرات الخطوط الجوية اليمنية بالكامل.

كما وثّق التقرير هجمتين بحريتين كبيرتين في يوليو 2025 أدتا إلى إغراق سفينتين تجاريتين وسقوط ضحايا واحتجاز طواقم، ما فاقم التوتر في المنطقة وهدد الأمن البحري الدولي.

ثالثاً: الوضع الداخلي والإنساني

أشار فريق الخبراء إلى تدهور الوضع الإنساني في اليمن بعد أكثر من عقد من الحرب، مؤكداً أن أكثر من ثلثي السكان يعيشون تحت خط الفقر، وأن الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والكهرباء تواصل الانهيار.
ورغم اتفاق وقف إطلاق النار المعلن عام 2022، فقد استمرت الاشتباكات المتقطعة والقصف العشوائي في مناطق التماس، مع رفض الحوثيين الدخول في حوار سياسي جاد مع الحكومة الشرعية، ما أبقى عملية السلام في حالة جمود.

ووثّق التقرير استمرار الانتهاكات الواسعة بحق المدنيين، بما في ذلك الاعتقالات التعسفية والتعذيب والإعدامات الميدانية، إلى جانب تجنيد الأطفال واستغلالهم في الجبهات ضمن منظومة أيديولوجية منظمة تعتمد على التحشيد العقائدي والتعبئة الدينية.

رابعاً: آليات السيطرة الداخلية والقمع المنهجي

أبرز التقرير تصاعد ما سماه الحوثيون “معركة الداخل”، وهي سياسة تهدف إلى ترسيخ السيطرة على المجتمع وإعادة تشكيل المؤسسات وفق الأيديولوجيا الحوثية.
وتتجلى هذه السياسة في:

تقييد حرية التعبير والتنقل،

التحكم بعمل المنظمات المحلية والدولية،

حملات اعتقال وتعذيب واغتيالات ضد الصحفيين والنشطاء،

نشر برامج تعبئة فكرية في المدارس والجامعات والمساجد، تتضمن دورات إلزامية ومناهج جديدة تروّج لمفاهيم “الولاية والجهاد ضد أمريكا وإسرائيل”.

كما أشار التقرير إلى الدور المتزايد لمليشيا “الزينبيات” الحوثية، التي تنفذ عمليات مراقبة واعتقال، وتشارك في أعمال عنف جنسي ضد النساء والمعارضين، ضمن أساليب ترهيب تستهدف إخضاع المجتمع.

خامساً: التمويل والاقتصاد الموازي

أكد التقرير أن القدرات العسكرية للحوثيين ما زالت قائمة رغم الضربات الجوية المكثفة، وذلك بفضل استمرار تدفق التمويل عبر موارد غير قانونية، أبرزها:

فرض الضرائب والإتاوات غير الرسمية،

الابتزاز التجاري والجمركي،

السيطرة على قطاع الاتصالات الذي يمثل أحد أهم مصادر الدخل،

التحكم بعائدات الوقود والغاز في المناطق الواقعة تحت سيطرتهم.

هذه الموارد مكّنت الجماعة من الحفاظ على استقلالها المالي وتطوير بنيتها العسكرية، في تحدٍ مباشر للعقوبات الدولية.

سادساً: توصيات فريق الخبراء

اختتم فريق الخبراء تقريره بجملة من التوصيات الموجهة إلى مجلس الأمن والدول الأعضاء، أبرزها:

تشديد الرقابة على عمليات التفتيش والمراقبة في الموانئ والمنافذ البرية.

تفعيل العقوبات الدولية، بما يشمل تجميد تراخيص العبور والتصدير لأي مواد يمكن أن تستخدم عسكرياً.

ملاحقة شبكات التهريب والوسطاء قضائياً وتجميد أصولهم المالية.

تعزيز التعاون الدولي والإقليمي لتطبيق قرارات الحظر ومكافحة تهريب السلاح.

دعم الحكومة اليمنية لاستئناف تصدير النفط الخام، الذي يمثل 70% من الإيرادات الوطنية، كوسيلة لمعالجة الأزمة الاقتصادية والإنسانية.

خاتمة

يرسم التقرير الأممي صورة شديدة القتامة للوضع في اليمن، مشيراً إلى أن جماعة الحوثي لا تزال تمثل “تهديداً كبيراً للسلام والاستقرار الإقليمي”، وأن استمرار تدفق الأسلحة والتمويل يطيل أمد الصراع ويقوّض فرص الحل السياسي.
كما يؤكد التقرير أن غياب المساءلة الدولية وتراخي تطبيق العقوبات يسهمان في ترسيخ دائرة العنف، مما يجعل من الملف اليمني أحد أكثر أزمات المنطقة تعقيداً وتشابكاً في المرحلة الراهنة.