تعثر المفاوضات السرّية بين الحوثيين وشركات الاتصالات العالمية حول الكابلات البحرية بسبب “تعنّت” الجماعة
كشفت مصادر استخباراتية ودبلوماسية عن انتكاسات متكرّرة في محادثات سرّية غير مباشرة تُجرى برعاية سلطنة عُمان بين جماعة الحوثي المسلحة وممثلين عن شركات الاتصالات والحكومات المعنية بمشاريع الكابلات البحرية، وذلك في ظل تعنّت الجماعة ورفضها تقديم ضمانات لحماية البنية التحتية الحيوية في البحر الأحمر.
ووفقًا لتقرير نشرته مجلة "إنتليجنس أونلاين" الفرنسية، فإن الوساطة العُمانية دخلت على خط الأزمة بهدف التوصل إلى تفاهمات تضمن إعادة تشغيل الكابلات المتضررة وإنشاء مناطق آمنة في المياه الإقليمية، بما يحول دون تكرار الهجمات التي تهدد مشاريع الاتصالات العالمية، ويمهّد لإطلاق مشاريع ألياف ضوئية جديدة تربط آسيا بأوروبا عبر البحر الأحمر.
غير أن النشرة الاستخباراتية أكدت أن الحوثيين انسحبوا من المفاوضات مؤخرًا، مبررين ذلك بما وصفوه بـ“تصاعد التوتر في البحر الأحمر”، وهو ما اعتبرته المصادر “ذريعة جديدة” تعكس رغبة الجماعة في استخدام الملف كورقة ضغط سياسية وأمنية في إطار صراعها مع القوى الإقليمية والدولية.
الحكومة اليمنية تتابع.. وتحذّر من خطورة الابتزاز الحوثي
وقال مصدر مطلع في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا لموقع “يمن مونيتور” إن السلطات الشرعية تتابع سير المحادثات والانتكاسات التي تواجهها، مؤكدًا أن تصلّب موقف الحوثيين يهدد أمن الاتصالات الدولية في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية.
وأضاف المسؤول – الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه لكونه غير مخوّل بالتصريح الإعلامي – أن “الكابلات البحرية تمثل العمود الفقري للإنترنت العالمي، وأي استهداف لها قد يؤدي إلى انعزالٍ رقمي واسع في المنطقة، فضلًا عن خسائر اقتصادية جسيمة”. وحذر من أن الحوثيين “يحاولون توظيف هذا الملف الحساس كورقة تفاوض للضغط على أطراف إقليمية ودولية”.
انعكاس لنمط سابق من التعثّر
ويعدّ هذا التعثر استمرارًا لسلسلة من المفاوضات غير المباشرة التي ترعاها سلطنة عُمان منذ بداية عام 2024، والتي نجحت حينها في تحقيق تهدئة مؤقتة في البحر الأحمر، قبل أن تتعثر لاحقًا بسبب تصعيد الجماعة.
الغارات الإسرائيلية فجّرت الثقة الهشّة
وأشار تقرير “إنتليجنس أونلاين” إلى أن المحادثات توقفت نهائيًا بعد الغارات الجوية الإسرائيلية في أغسطس/آب 2025، التي استهدفت قيادات بارزة في الجماعة، وأدت إلى مقتل رئيس الوزراء الحوثي أحمد الرهوي. وأكد التقرير أن هذا الحدث “أضعف بشدة الثقة الهشة بين الأطراف وأجهض جهود التهدئة”.
وبعد أيام من تلك الغارات، وتحديدًا مطلع سبتمبر/أيلول الماضي، انقطعت عدة كابلات بحرية في البحر الأحمر، ما تسبب في انقطاع واسع لخدمات الإنترنت في مناطق من آسيا والشرق الأوسط. ورغم غياب تأكيد رسمي، تزايدت الشكوك حول ضلوع الحوثيين في الحادثة، خاصة بعد تهديدات سابقة من إعلام الجماعة باستهداف هذه المنشآت الحيوية.
أهمية الكابلات البحرية عالمياً
تُعدّ الكابلات البحرية الركيزة الأساسية لشبكات الإنترنت العالمية، إذ تنقل أكثر من 95% من حركة البيانات الدولية، إلى جانب الأقمار الصناعية والكابلات الأرضية. ويؤدي تعطل أحد المسارات إلى بطء كبير في خدمات الإنترنت، رغم وجود قنوات بديلة لإعادة توجيه الحركة.
ويرى مراقبون أن فشل المفاوضات الأخيرة يُبرز مخاطر متزايدة على الأمن السيبراني والاقتصادي الدولي في ظل تصاعد التوترات في البحر الأحمر، محذرين من أن استخدام الحوثيين للبنية التحتية العالمية كورقة ابتزاز قد يشكل سابقة خطيرة تهدد استقرار الاتصالات الدولية في واحدة من أكثر الممرات استراتيجية في العالم.