"اليمن على رأس قائمة الجريمة المنظمة: الحوثيون يحوّلون الدولة إلى ملاذ للفوضى والتهريب"
صنّف مؤشر الجريمة المنظمة العالمي لعام 2025، الصادر في العاشر من نوفمبر، اليمن في المرتبة الثلاثين بين 193 دولة من حيث انتشار الجريمة المنظمة، بعد أن حصلت على درجة 6.63 من أصل 10، ما يضعها ضمن الدول الأكثر تأثراً بانتشار شبكات الإجرام العابر للحدود. ويُعزى هذا التدهور الحاد، بحسب المؤشر، إلى عقدٍ من الفوضى والانفلات الأمني الذي أشعلته الميليشيا الحوثية الموالية لإيران منذ انقلابها على الدولة قبل أكثر من عشر سنوات.
وأوضح التقرير، الصادر عن المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود (GI-TOC)، ومقرها جنيف، أن اليمن شهد خلال الأعوام الأخيرة تصاعداً خطيراً في جرائم الاتجار بالمخدرات والأسلحة والاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين وغسل الأموال، في ظل غياب شبه كامل لمؤسسات الدولة وانعدام سيادة القانون.
وجاء صدور التقرير بالتزامن مع اليوم العالمي لمكافحة الجريمة المنظمة (15 نوفمبر)، حيث أكدت المبادرة أن المؤشر يعتمد على بيانات كمية ونوعية جمعتها من أكثر من 350 خبيراً ومركزاً إقليمياً، لتقييم واقع الجريمة ومستوى قدرة الدول على مواجهتها.
ويقيّم المؤشر كل دولة وفق مقياس من 1 إلى 10 في محورين رئيسيين: درجة الجريمة والقدرة على الصمود أمامها، بحيث تمثل الدرجة الأعلى مؤشراً على خطورة الوضع الإجرامي، فيما تشير الدرجة المنخفضة إلى ضعف قدرة الدولة على مواجهة تلك التهديدات.
وتحت عنوان "الجريمة عند مفترق طرق"، أظهر التقرير أن اليمن تراجع بشكل مقلق في مختلف المؤشرات. ففي محور "الأسواق الإجرامية"، جاءت البلاد في المرتبة 53 عالمياً بدرجة 5.77، ما يعكس انتشار جرائم التهريب والاتجار غير المشروع، بدءاً من البشر والأسلحة وحتى الموارد الطبيعية والمخدرات. كما سجلت اليمن تقدماً خطيراً في مؤشر الجهات الفاعلة الإجرامية لتحتل المرتبة 14 عالمياً بدرجة 7.50، وهو ما يشير إلى النفوذ المتزايد للمليشيات وشبكات التهريب المحلية والدولية التي تدير عملياتها تحت حماية سلطات الأمر الواقع في صنعاء.
وفي المقابل، صنف المؤشر اليمن ضمن أضعف خمس دول في العالم من حيث القدرة على الصمود، إذ جاءت في المرتبة 187 بدرجة 1.92 فقط. ويشمل هذا المؤشر عناصر الحكم الرشيد والشفافية وسيادة القانون والقدرة التنظيمية والمؤسسية للدولة، وجميعها تعاني من انهيار شبه كامل في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث تغيب العدالة، وتُدار مؤسسات الأمن والقضاء بقرارات فئوية تخدم مصالح الجماعة ومموليها.
وأشار التقرير إلى أن استمرار الحرب وتفشي الفساد وتعدد مراكز النفوذ أدت إلى تحويل اليمن إلى بيئة خصبة للجريمة المنظمة، سواء عبر شبكات التهريب التي تمتد من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي، أو من خلال السوق السوداء التي تسيطر عليها المليشيا لتجارة الوقود والسلاح والمخدرات.
ويؤكد المؤشر أن المشهد الإجرامي في اليمن لم يعد معزولاً عن التحولات العالمية، بل أصبح جزءاً من شبكة متشابكة من الجرائم العابرة للحدود التي تتقاطع فيها المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية، وسط استخدام واسع للتقنيات الحديثة في غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة.
كما يشير التقرير إلى أن الجرائم المالية والجرائم الإلكترونية شهدت ارتفاعاً حاداً منذ عام 2023، مع توسّع الاعتماد على الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي في تنفيذ عمليات الاحتيال والتحويلات غير القانونية، بينما تزايد دور الجهات الفاعلة الأجنبية في تغذية الأنشطة الإجرامية، ما يعكس الترابط المتزايد بين الاقتصاد المشروع وغير المشروع.
ويرى خبراء أن الأوضاع في اليمن تُعد نموذجاً صارخاً لكيفية تحوّل الدول الهشة إلى ملاذات آمنة للجريمة المنظمة، عندما تفقد السلطة المركزية سيطرتها وتُستبدل مؤسسات الدولة بمراكز نفوذ مسلحة. فالميليشيا الحوثية، التي تسيطر على صنعاء وأجزاء واسعة من شمال البلاد، أسست اقتصاداً موازياً يعتمد على الجبايات غير القانونية وعمليات التهريب، وأدارت موارد الدولة كإقطاعيات خاصة لقادتها.
ويُظهر المؤشر أيضاً أن غياب المساءلة والشفافية وضعف التعاون الدولي يجعل من مواجهة الجريمة في اليمن مهمة شبه مستحيلة، حيث تُدار مناطق بأكملها خارج الإطار القانوني، وتُستخدم الموانئ والطرق البرية لتمرير السلاح والمخدرات والبشر مقابل عوائد مالية ضخمة تموّل استمرار الحرب.
ويخلص التقرير إلى أن اليمن يقف اليوم على مفترق حاسم بين الانهيار الكامل وإمكانية التعافي المشروط بوجود دولة قادرة على فرض سيادتها واستعادة مؤسساتها. فكلما طال أمد الصراع، ازدادت الجريمة رسوخاً وتشابكاً، ومعها يزداد نفوذ الجماعات التي تتغذى على الفوضى والخراب.
ويحذّر المؤشر من أن التقاعس الدولي عن دعم بناء قدرات الدولة اليمنية لمواجهة الجريمة المنظمة سيُبقي البلاد رهينة لاقتصاد الحرب، وملعباً مفتوحاً لشبكات التهريب وتمويل الإرهاب، بما يهدد الأمن الإقليمي والدولي على حد سواء.