الثلاثون من نوفمبر .. حين توج اليمنيون ثورتين

  • خاص خاص
  • منذ 3 أشهر
  •    
 الثلاثون من نوفمبر .. حين توج اليمنيون ثورتين
مشاركة الخبر:

في الثلاثين من نوفمبر، منذ ثمانية وخمسين عامًا، نهض اليمنيون من بين ركام قرون مثقلة بالخضوع، وكتبوا على صخور عدن حروفًا من نور، توجوا بها ثورتين توأمين: السادس والعشرين من سبتمبر والرابع عشر من أكتوبر.

كان آخر جندي بريطاني يغادر الميناء يومها يشبه ظلال إمبراطوريةٍ توارت عن جبالنا كما تتلاشى السفن في الضباب. وكان يشبه أيضًا الفكرة القديمة عن العالم الذي اعتقد أنه يستطيع أن يمسك بالبحر في قبضته إلى الأبد. خرجت الإمبراطورية التي كانت الشمس تراقبها من كل الجهات، وبقي اليمنيون وحدهم أمام شمسهم، يصنعون من ضيائها معنى جديدًا للحياة.

لكن التاريخ، بقدر ما يمنح الدروس، يظل مهووسًا بإعادة الامتحان. هكذا عادت الرجعية من بوابات أخرى، تتدثر بأقنعة جديدة، وتحمل معها صدى الإمامة وعمامة فارس، كأنها لم تسمع أن الجبال التي ودّعت الإمبراطوريات قديمًا تعرف جيدًا كيف تودع الغزاة في كل مرة، وكيف تدفن أوهامهم في المكان ذاته... في مقبرة الغزاة ومزبلة التاريخ.

هكذا فهم أبناء وأحفاد سبتمبر وأكتوبر معنى الجلاء هذا العام، وهم يحيون ذكرى الاستقلال في وقت يخوض فيه الشعب عامه الثامن في معركةٍ تشبه السير في طريق طويل بين لغمين: لغم الاحتلال ولغم الكهنوت. معركة ضد مشروع يتزيا بعباءتين: عباءة الدين التي لم تعرف يومًا إلا لتكون رحمة، وعباءة السيادة التي لا تمارس إلا بمقدار ما تصان كرامة الناس… بينما تختزل اليوم في خطاب ضيق يفتح أبواب الموت أكثر مما يفتح نوافذ الحياة.

كان عيد الجلاء دائمًا نافذة على تلك الروح التي أشعلت الرابع عشر من أكتوبر في جبال ردفان. نافذة تذكر اليمني بأن الحرية ليست حدثًا وقع وانتهى، بل معنى يتجدد كلما حاول أحد أن ينتزع منه صوته أو ملامحه أو حقه في أن يختار. لذلك بدا هذا اليوم، منذ أن وُلد، تجسيدًا لوحدة الأرض والإنسان؛ اليوم الذي اكتملت فيه حرية اليمن على الورق، لتبدأ معارك الحرية على الواقع.

الاحتفال بالجلاء ليس طقسًا من طقوس الذاكرة فحسب، بل هو سؤال مُعلّق في الهواء... ماذا تبقى من ذلك الوعد الذي قطعناه على أنفسنا يوم خرج آخر جندي أجنبي من بلادنا؟ وكيف نعيد ترتيب الطريق فيما المليشيا الإمامية تحاول جر البلاد إلى الأزمنة التي انهزمت فيها الحياة أمام الكهنوت، وإلى القرون التي كان فيها الإنسان مجرد تابع لظل السلطة؟

هنا، يصبح دور النخب واجبًا لا ترفًا. واجبًا في أن تذكر الناس بأن الوطن لا يُبنى بالولاءات الضيقة، ولا بالمناطقية، ولا بالسلالية، ولا بالخوف الذي يشبه الغبار في عز الصيف. وأن الضغط على صُنّاع القرار ليس شتيمة، بل فعل إنقاذ؛ وأن نشر المحبة ليس شعارًا رومانسيًا، بل استراتيجية وطن يريد أن ينجو من نار الفرقة التي تتشمم رائحة الخراب كما لو أنها تعرفه جيدًا.

في الثلاثين من نوفمبر، لا نحيي ذكرى الجلاء فقط. نحن نحيي ذاكرتنا الجمعية، ونوقظ الصوت الذي حاولت الحروب أن تطفئه، ونستعيد الطريق الذي يبدأ دائمًا من مكان واحد... من الإنسان اليمني وهو يصر على أن يعيش، وأن يكتب مصيره بيديه، لا بيد الغزاة ولا الكهنة ولا المتربصين بتاريخ يعرف جيدًا كيف يقف في صفّ أبنائه حين يشاؤون الحياة.

لكن هذه الذكرى، التي كانت نافذة اليمنيين نحو الضوء، أصبحت اليوم محاطة بضباب كثيف صنعته الحرب، وصنعت معظمه مليشيا الحوثي التي حاولت، وما تزال، إعادة صياغة ذاكرة اليمن بما يناسب مشروعها الأيديولوجي، لا بما يناسب الحقيقة أو التاريخ أو الإنسان اليمني.

منذ سيطرتها على العاصمة صنعاء، لم تكتفِ المليشيا بفرض القوة على الواقع السياسي، بل سعت إلى السيطرة على ذاكرة المجتمع. تعاملت مع المناسبات الوطنية بوصفها أحداثًا يجب إعادة ترميزها أو إلغاؤها، لأنها تتصادم مع مشروعها القائم على إحياء ماض إمامي تجاوزته اليمن بثوراته، وتضحياته، ونضاله الطويل ضد الكهنوت والوصاية.