2 ديسمبر ورفض اليمنيين لهيمنة الحوثيين وعودة الروح الجمهورية
لم تكن انتفاضة الثاني من ديسمبر حدثًا عابرًا في الوجدان اليمني، بل كانت لحظة مفصلية عكست رفضًا وطنيًا واسعًا لهيمنة ميليشيا الحوثي ومحاولاتها المستمرة لطمس روح الجمهورية وتقويض أسس الدولة المدنية. ففي الوقت الذي سعت فيه الجماعة إلى إحكام قبضتها على العاصمة ومؤسساتها بالقوة، جاءت تلك الانتفاضة لتعلن بصوت واضح أن اليمنيين، رغم القمع والجراح والانقسامات، لا يزالون متمسكين بجمهوريتهم وبقيم الدولة التي حاولت الميليشيا اقتلاعها من جذورها.
لقد جسّد الثاني من ديسمبر موقفًا وطنيًا خالصًا يتجاوز الولاءات الضيقة والحسابات الآنية؛ فالحوثيون لم يأتوا بمشروع دولة، بل بمشروع هيمنة يقوم على القوة وحدها ويستند إلى خطاب سلالي يتناقض مع روح ثورة سبتمبر ومكتسباتها. ولهذا كانت مقاومة هذه الهيمنة واجبًا وطنيًا لا يمكن التراجع عنه، خصوصًا بعد أن تحولت مؤسسات الدولة في العاصمة صنعاء إلى أدوات لخدمة مشروع الجماعة، تُدار بالإكراه وتُسخّر لصالح أجندة مغلقة لا تعترف بالشراكة أو التعددية أو حق الشعب في إدارة شؤونه.
إن ما حاول الحوثيون فرضه على اليمنيين لم يكن مجرد سيطرة سياسية، بل كان استهدافًا مباشرًا للعقل والهوية والذاكرة. فقد سعت الجماعة إلى تشويه رموز الجمهورية، وتغيير طبيعة الإدارة الحكومية، وإعادة هندسة المجتمع وفق رؤية تتعارض جذريًا مع قيم المواطنة المتساوية. ومع ذلك، أثبتت أحداث ديسمبر أن كل هذه المحاولات ستظل عاجزة أمام الإرادة الشعبية الرافضة للعودة إلى زمن السلالية والاستبداد.
ورغم الاختلالات التي شهدتها الدولة اليمنية في مراحل مختلفة، فإن روح الجمهورية كانت دومًا العامل الحاسم في مواجهة مشاريع الكهنوت والتفتيت. وهذه الروح ظهرت مجددًا في الثاني من ديسمبر حين خرج اليمنيون ليقولوا بوضوح إن الجمهورية ليست شعارًا سياسيًا، بل عقدًا وطنيًا جامعًا يحفظ للمواطن حقه وكرامته، وإن الدولة المدنية ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة لبقاء اليمن قويًا وموطنًا لجميع أبنائه.
لقد حاول الحوثيون حجب هذا الوعي الوطني، لكن مشاهد المقاومة في صنعاء وغيرها أكدت أن اليمنيين ما زالوا يحملون جذوة سبتمبر وأكتوبر في قلوبهم. وإن العودة إلى روح الجمهورية ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل مشروع نضالي يستهدف استعادة الدولة من براثن ميليشيا تحاول مصادرة السياسة والمجتمع وتوجيه مستقبل البلاد بما يخدم مشروعها الضيق.
إن الثاني من ديسمبر سيظل محطة فارقة في تاريخ اليمن المعاصر؛ لأنه أعاد التذكير بأن هذا الشعب، مهما ضاقت به الظروف، قادر على الوقوف في وجه محاولات الهيمنة، وقادر على استعادة دولته وهويته من جديد. فالمعركة اليوم ليست سياسية فقط، بل معركة وجود وكرامة، ومعركة دفاع عن اليمن جمهوريةً ودولةً ومشروعًا وطنيًا لن يسمح اليمنيون بسقوطه مهما طال الزمن.