العَلم الجمهوري… آخر خطوط السيادة في مواجهة مؤامرة الاقتلاع
يتعرض العَلم الجمهوري في اليمن لهجمة مزدوجة تقودها ميليشيا الحوثي الإيرانية في الشمال، وتشارك فيها قوى انفصالية في جنوب الوطن، رغم أنه رمز وطني ثابت رُفع للمرة الأولى في 30 نوفمبر 1967 بمدينة الشعب بعد خروج آخر جندي بريطاني من البلاد. ورغم مكانته الراسخة في الوجدان الشعبي، حظرت الميليشيا الإيرانية مؤخراً رفعه أو نشر صوره، واعتقلت كل من يرفعه في المناسبات الوطنية، بينما سمحت لشعارات وصور إيرانية تعكس تبعيتها الفكرية والعقائدية لنظام طهران الداعم للإرهاب.
وفي الوقت نفسه يُمنع رفع العَلم في الجنوب، حيث شهد أهم مناسبتين وطنيتين في التاريخ اليمني: يوم الاستقلال في 30 نوفمبر ويوم إعلان الوحدة في 22 مايو 1990، في سياق يُظهر توافقاً غير معلن بين أدوات صنعتها الأزمة والحوثيين، وكلها مشاريع تستند إلى رعاية إيرانية قديمة.
وبالعودة إلى تاريخ الاستقلال، يظهر أن أول من رفع علم الدولة الوليدة يوم 30 نوفمبر 1967 كان المناضل اللواء أحمد محمد عرب الحسني، أحد قادة التحرير الذين انطلقت شرارة نضالهم في ردفان عام 1963 حتى رحيل الاحتلال. وقد تولى عرب منصب رئيس هيئة الأركان العامة عقب الاستقلال، وهو دور وطني لا يكاد يعرفه كثيرون ممن أعادهم الجهل إلى صراعات زرعها المستعمر. وينتمي المناضل إلى آل حسنة في مديرية مودية بمحافظة أبين، ويمتد عطاؤه العسكري من عام 1943 حين التحق بالقوات المسلحة، مروراً ببعثات تدريب في السودان وبريطانيا، ثم تدرجه في المناصب من قائد سرية إلى أركان حرب الجيش، قبل أن يُعيّن أول رئيس لهيئة الأركان عقب رفع العلم الوطني. وبعدها تم تعيينه محافظاً لأبين ثم مستشاراً في الإدارة المحلية، وتوفي عام 2007 عن عمر ناهز 84 عاماً.
أما العَلم الجمهوري، فقد تشكلت ألوانه من موجة التحرر العربي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، إذ تبنته الجبهة القومية علماً لها بألوانه الثلاثة: الأحمر والأبيض والأسود، قبل أن يضيف الحزب الاشتراكي في 1978 المثلث الأزرق والنجمة الحمراء. وكان الثلاثون من نوفمبر نهاية مسار ثورة 14 أكتوبر، حيث تحرر الجنوب من الاحتلال البريطاني وتوحدت مكوناته تحت اسم “جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية”، ثم أضيفت إليها كلمة “الديمقراطية” لاحقاً. وقد قادت الجبهة القومية حينها الكفاح المسلح، وتسلمت السلطة عند الاستقلال، وتولى أمينها العام قحطان الشعبي رئاسة الدولة.
سبقت رفع علم الاستقلال في عدن مفاوضات مضنية بين الجبهة القومية والمندوب البريطاني، بدأت في 21 نوفمبر 1967 وانتهت في 29 منه قبل إعلان الاستقلال وتسليم السلطة. وقد ضم وفد الجبهة أسماء بارزة من قادة الثورة كقحطان الشعبي وعبدالفتاح إسماعيل وخالد عبدالعزيز وفيصل الشعبي، فيما ترأس الجانب البريطاني اللورد شاكلتون ومعه فريق كبير من المستشارين.
تؤكد الوثائق التاريخية أن المشروع البريطاني الاستعماري سقط مع تصاعد نيران الثورة اليمنية في أكتوبر، وبدعم من ثوار الشمال والجنوب معاً، ليصبح مشروع “اتحاد الجنوب العربي” بلا سند، بعد أن تخلّى البريطانيون عن سلاطينهم، فسقطت كياناتهم سريعاً كأوراق الخريف. ومع اتساع الحركة الوطنية بات واضحاً أن كل خطط التفتيت البريطانية انتهت بالفشل.
وفي محاولة لإنقاذ مشروعها، عقدت بريطانيا مؤتمر لندن عام 1965 بمشاركة القوى التقليدية وبعض المكونات السياسية، لكن ذلك لم يغيّر شيئاً. فقد عُطّل دستور عدن وأُقيلت حكومة مكاوي، لتبدأ مرحلة جديدة تصدرت فيها القوى الثورية المشهد. وفي العام نفسه تأسست منظمة التحرير التي انبثقت عنها “جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل”، غير أن دخول الجبهة القومية إليها لم يستمر طويلاً بسبب اختلاف الرؤى حول طبيعة العمل الوطني، فبينما فضلت منظمة التحرير المسار السياسي، تمسكت الجبهة القومية بالكفاح المسلح، ما أدى إلى انفصال الطرفين عام 1966. وواصلت الجبهة القومية توسيع نفوذها في الجيش والشرطة والنقابات والأرياف، وصولاً إلى قيادة الثورة المسلحة التي أطاحت بالوجود البريطاني في نهاية المطاف.
وهكذا، من ردفان وحتى عدن، ومن تجربة التحرير الأولى حتى محاولات تفتيت الهوية اليوم، بقي العَلم الجمهوري رمزاً لوحدة اليمنيين ونضالهم ضد الاستعمار والمشاريع الصغيرة، وسيظل شاهداً على أن هوية الوطن أكبر من محاولات الطمس، وأقوى من أي مؤامرة تستهدف جذوره وتاريخه.