ثورة 2 ديسمبر في ذكراها الثامنة .. رفض مسار طمس الهوية اليمنية لصالح إيران .. مقاومة المؤتمر لفكر التجهيل
تحل علينا الذكرى الثامنة لثورة الثاني من ديسمبر المجيدة، التي أطلقت شرارتها الأولى من وسط العاصمة المختطفة صنعاء على يد الرئيس الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح في العام 2017، لتستمر حتى دحر المد الفارسي من اليمن، المتمثل بعصابة الحوثي الإيرانية.
ونحن نعيش ذكراها وزخمها المتنامي في نفوس اليمنيين، سنتوقف لنحاكي الزمن عن مقاومة المؤتمر الشعبي العام وزعيمه الرئيس الشهيد الصالح لفكر شيعة الشوارع الإيرانية، التي تم تصديرها إلى اليمن عبر عصابة الحوثي الضالة.
يذكر وزير الخارجية اليمني السابق، الدكتور أبو بكر القربي، في حديث سابق مع قناة الجزيرة، أن الرئيس الشهيد الصالح بدأ يشعر بمشكلة الحوثيين وفكرهم الإرهابي في بداية عام 2000، عندما بدأ الحوثيون يتحركون سياسياً، ليس داخل اليمن فحسب، بل في علاقاتهم الخارجية مع إيران ودول عربية أخرى، إحداها ليبيا، وليس كما يُقال إنه استشعر الخطر عند اجتياحهم صنعاء ومدن اليمن بمساندة الإخوان ونظام الرئيس اليمني السابق عبدربه منصور هادي في 2014.
يؤكد القربي أن الصالح، عندما أعلن الحوثيون تمردهم وحملهم لفكر الإمامة والخروج عن السلطة، أعلن عليهم الحرب في 2004، وهي أول حرب مع الحوثيين، لتبدأ مقاومة المؤتمر الشعبي العام من تلك المرحلة لفكر الحوثيين الذي بدأ يتصاعد ويلقى تأييداً من الأحزاب السياسية وعلى رأسها حزب الإصلاح، ذراع الإخوان المسلمين في اليمن.
معركة سياسية وثقافية مستمرة
منذ ذلك التاريخ، ومنذ تولي الرئيس الشهيد الصالح مقاليد الحكم في 17 يوليو 1978 في شمال البلاد، بدأ العمل على مقاومة كل ما يهدد الجمهورية والثورة اليمنية وأهدافها، بنشر الوسطية المعتدلة المبنية على الحوار لحل كل المشاكل ورفض المساس بالثوابت الوطنية.
وقاد المؤتمر الشعبي العام، الذي تأسس في 24 أغسطس 1982، وزعيمه الصالح، نهجاً وفكراً يقود اليمن نحو مصافي الدول المتطورة، رافضاً كل الأفكار الهدامة التي تؤدي إلى التطرف والإرهاب وتدمير البلاد، والتي تتجسد بالتيارات والأحزاب الرجعية، لتصل ذروة المقاومة لتلك الأفكار مع اندلاع الأزمة اليمنية في مطلع العام 2011.
مع بداية الفوضى وتوسع نفوذ الحوثيين في العام 2015، كان حزب الشعب الأول في اليمن، المؤتمر الشعبي العام وزعيمه الصالح، في مواجهة حقيقة مع فكر الحوثيين المعتق بالثقافة الإيرانية، بعد أن تخلى عن اليمن واليمنيين قادة الفوضى في 2011 وسلموا البلاد لذلك المد الفارسي الذي يحمل معول هدم الهوية والجمهورية ومبادئ وأهداف الثورة اليمنية.
كان المؤتمر الشعبي العام بقيادة الرئيس الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح في مواجهة مستمرة مع الحوثيين، إلا أنه بعد انقلابهم في 2014 واجتياحهم صنعاء والمدن اليمنية الأخرى، بتواطؤ مباشر من الإصلاح وأحزاب اللقاء المشترك والرئيس هادي، وجد المؤتمر والرئيس الصالح نفسهم في مواجهة مباشرة مع الحوثيين، هذه المرة ليس في معاقلهم وكهوفهم في مران بصعدة، وإنما في وسط العاصمة صنعاء، رمز السيادة والجمهورية والوحدة والديمقراطية والثورة اليمنية.
تحد وجودي… واجب وطني
ومن منطلق أن المؤتمر الشعبي العام أكبر الأحزاب اليمنية وأكثرها تأييداً، رغم أنه أصبح حينها في المعارضة، لم يتخل عن واجبه الوطني تجاه اليمن واليمنيين، فأعلن المواجهة مع الحوثيين "سياسياً وفكرياً وثقافياً وعسكرياً"، ليقود سياسة المهادنة والمحافظة على منجزات ومكتسبات الثورة والجمهورية والوحدة التي بناها بلا منازع الرئيس الشهيد الصالح على مدى 33 عاماً.
تشير المعلومات والوقائع على الأرض إلى أن دخول المؤتمر حينها في شراكة صورية مع الحوثيين، من أجل حماية اليمن واليمنيين من الفكر الحوثي المشبع بالاثني عشرية الإيرانية ونزعة الإمامة البائدة في اليمن، إلا أنه وجد فيهم رفضاً لكل ما هو يمني، وتوجهاً نحو فرض مشروعهم "الطائفي، الإمامي، الإيراني" على حساب الهوية اليمنية من خلال استهداف الثقافة والهوية اليمنية من بوابة التعليم، والإرشاد، والقضاء.
بداية ثورة ديسمبر… سياسياً
في هذا الإطار، نحاول إعطاء لمحة عن تاريخ المؤتمر الشعبي العام وزعيمه الصالح السياسي في اليمن، حيث تؤكد المعطيات التاريخية أن الرئيس الصالح منذ توليه الحكم في 1978 في شمال اليمن انتهج سياسة الحوار في حل قضايا المجتمع السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، توج ذلك في إعلان الميثاق الوطني وتأسيس حزب المؤتمر في 1982، واستطاع قيادة دفة الحكم الذي تقاذفته الأيادي الحاقدة على اليمن واليمنيين والجمهورية حينها، وفي مقدمتهم بقايا الإمامة ومن يقف ورائهم في الداخل والخارج.
وتابع نضاله ضد الفكر الحوثي الإمامي المدنس بالفكر الإيراني، من خلال شنه ستة حروب على الجماعة بعد تمردها عن الدولة، وخروجها عن النظام والقانون ورفضها للدستور والجمهورية والديمقراطية، ورفضها للحوار والوساطات القبلية والسياسية ودعوات علماء الدين في اليمن لإلقاء السلاح والعودة إلى حضن اليمن، واستمر حصارهم في كهوف جبال صعدة حتى جاءت فوضى 2011 لتخرجهم وتقودهم إلى وسط العاصمة وعواصم المحافظات.
ومع ذلك لم يتخل المؤتمر الشعبي العام والرئيس الصالح عن واجبهما الوطني، وظلوا في مواجهة مشروع الحوثيين بعد تمكينهم من صنعاء على يد كيانات وتيارات الفوضى حينها، ورفض مساعي الحوثيين ومحاولاتهم الاستحواذ على مؤسسات الدولة وتحويلها إلى أدوات لخدمة مشروعهم السياسي المتمثل بعودة الإمامة، ودفع المؤتمر ثمناً باهظاً لمواقفه ونهجه المحافظ على الجمهورية ومكتسبات وأهداف الثورة والوحدة اليمنية.
وفي ظل تلك المواجهة غير المتكافئة بالنظر إلى ما أقدمه نظام هادي من تفكيك لمؤسسة الجيش والأمن تحت مسمى "الهيكلة" وتسليمه كل العتاد والمعسكرات والمدن للحوثيين، قدم المؤتمر تضحيات كبيرة، حيث تعرض قادته وكوادره ومناصروه للمضايقات والاعتقالات والاختطافات، وصولاً إلى المؤامرة الاستخباراتية التي قادت لاغتيال زعيمه الرئيس الشهيد علي عبد الله صالح في ديسمبر 2017، عقب إعلانه المواجهة المباشرة مع الحوثيين، لتبدأ شرارة ثورة 2 ديسمبر بالتوهج وتقضي على رماد الإمامة المدعوم إيرانياً.
ورغم استمرار عمليات البطش والتنكيل التي تمارسها الحوثية ضد قيادات وكوادر الحزب، ومنها اختطاف أمين عام الحزب في صنعاء غازي أحمد علي الأحول، المغيب حتى اليوم في معتقلات الجماعة، تستمر قيادات المؤتمر في الداخل والخارج في العمل السياسي، مؤكدين أن اليمن لا يمكن أن يُدار بعقلية طائفية أو سلالية.
وأكد نائب رئيس حزب المؤتمر، السفير أحمد علي عبدالله صالح، أن ما وصفها بالغمة وسحابة الصيف، في إشارة إلى الحوثيين، سوف تزول عن صدور وكاهل اليمنيين قريباً، مشدداً على أن الخلاص من الحوثيين بات قريباً جداً.
ثورة ديسمبر… المقاومة الفكرية
يشكل فكر وثقافة الحوثيين النزعة الأخطر، ليس فقط على المجتمع اليمني، وإنما على مجتمعات المنطقة خاصة الخليجية منها، والعربية والإسلامية بشكل عام، باعتباره فكر وثقافة تحمل بذور الثورة الخمينية الطائفية التي تسعى لتغيير العقيدة والدين الإسلامي لخدمة مصالح خارجية.
وترى الأوساط الدينية في اليمن والمنطقة أن فكر الحوثيين القائم على "الحق الإلهي في الحكم" فكر ضال وشاذ، ولا وجود لأسسه في الشريعة الإسلامية، لذا وجد رفضاً مطلقاً من المؤتمر الشعبي العام ومن المجتمع اليمني.
بالعودة إلى نهج المؤتمر وزعيمه منذ تأسيسه نجد أن الوسطية والاعتدال هما السمتان الأساسيتان، والتي تجسدان مبادئ وأهداف الثورة اليمنية الرافضة للإمامة، فكيف بأفكار الحوثية المبنية على الاثني عشرية الإيرانية.
تؤكد المراجع التاريخية أن الأحرار اليمنيين الذين قادوا الثورة اليمنية المباركة ضد الإمامة والاستعمار انطلقوا من واقع متردٍ ومتخلف ومنغلق ثقافياً وتعليمياً، فكيف اليوم والعلم متاح للجميع؟
ومن خلال خطابه السياسي والإعلامي، سعى الحزب وزعيمه الصالح إلى تفنيد المزاعم الحوثية وكشف خطورتها على الهوية الوطنية ووحدة المجتمع اليمني.
ففي خطابه الشهير أمام العلماء في مايو 2007، أكد الرئيس الصالح على أن الثورة اليمنية المباركة قامت لإنهاء ظلم وطغيان واستبداد الحكم الإمامي الرجعي المتخلف، وأن العلم ملك الأمة جمعاء، وليس حكراً على فئة بعينها، وأن الإسلام ملك للأمة كلها، لا لأحد.
وتابع بعد تفويض العلماء للتخاطب مع الحوثيين من منطلق نهج المؤتمر القائم على الحوار: "ليس هناك أوصياء على الإسلام على الإطلاق… فلا يجوز تكفير أحد… ولا يجوز شرعاً".
وتساءل الرئيس: "ماذا تريد تلك العناصر الإرهابية في صعدة؟ لماذا يتمترسون في الجبال ويحتلون قرى؟ الإجابة أن أعمالهم الإجرامية تكشف نواياهم الشريرة… فقد رفعوا العلم الملكي وأعلنوا تمردهم على الدولة ومعاداتهم للثورة والنظام الجمهوري، وهذا دليل على ما يسعون إليه لإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء".
ومن هذا المنطلق، ظل وما زال المؤتمر الشعبي العام وقيادته الصوت الرافض لكل نزعة طائفية تحاول فرض واقع جديد يتناقض مع تاريخ اليمن الجمهوري.
ومن خلال الثورة التنموية والفكرية التي أحدثها الرئيس الصالح قبل وبعد الوحدة اليمنية المباركة في 1990، المتجسدة في تشييد آلاف المدارس والجامعات والمعاهد المتخصصة، وفتح تخصصات تعليمية حديثة…
ثورة ثقافية مجسدة المعالم
قاد حزب المؤتمر وزعيمه الصالح نضالاً ضد الأفكار الضالة والثقافة المغلوطة التي تحاول الاستحواذ على عقول النشء اليمني الجديد منذ توليه الحكم في 1978، وبعد الوحدة المباركة في 1990، وواصل ذلك عقب انقلاب الحوثيين في 2014، حيث أدرك المؤتمر الشعبي أن المعركة مع الحوثيين ليست فقط في ميادين السياسة، بل أيضاً في معركة الوعي.
عمل المؤتمر الشعبي العام عبر قنواته المتعددة، وفي مقدمتها الوسائل الإعلامية ومنابره الثقافية والفكرية، على التأكيد على قيم الهوية الوطنية الجامعة، ونشر رسائل التعايش والاعتدال، محذراً من مخاطر الخطاب الطائفي الذي يمزق النسيج الاجتماعي لليمنيين.
وأكد نائب رئيس المؤتمر، السفير أحمد علي عبدالله صالح، أهمية تأصيل ثقافة الديمقراطية والحرية والإبداع في الوعي السياسي والشعبي اليمني والعربي، لخلق أجيال قوية محصنة بهويتها وانتمائها، لتعزيز قيم الديمقراطية والحرية وثقافة التسامح والقبول بالرأي الآخر.
تلك هي ثقافة وفكر المؤتمر التي يعتمد عليها في مقاومة فكر وثقافة الحوثيين، والتي ترى في انطلاق شرارة ثورة 2 ديسمبر في انتفاضة 2017 بداية لكتابة فصول ملحمة وطنية وإشراقة فجر جديد في التاريخ اليمني المعاصر.