انتفاضة الثاني من ديسمبر .. حين قال المؤتمر كلمته الأخيرة في وجه مشروع الجرف والهيمنة

انتفاضة الثاني من ديسمبر .. حين قال المؤتمر كلمته الأخيرة في وجه مشروع الجرف والهيمنة
مشاركة الخبر:

في ذاكرة اليمن الحديثة، تظل انتفاضة الثاني من ديسمبر 2017 أكثر من مجرد حدث سياسي؛ إنها لحظة انكشاف تاريخي، وصرخة وعي في وجه مشروع حاول إعادة صياغة الدولة والمجتمع والوجدان التعليمي بقوة السلاح. في هذا اليوم، تحركت الروح الجمهورية من قلب العاصمة صنعاء، معلنة أن اليمن، رغم كل ما تعرض له، لا يزال يحتفظ بنواته الصلبة وبهويته التي لا يمكن اقتلاعها.

قبل الانتفاضة، وجد المؤتمر الشعبي العام نفسه في شراكة قسرية مع جماعة الحوثي. شراكة متوترة، محمّلة بالتناقضات، كان المؤتمر خلالها يدرك أن الطرف الآخر لا يأتي إلى الدولة ليشارك، بل ليجرف ما تبقى منها.

حاول المؤتمر بكل ما يمكنه، في بيئة خانقة، فرملة التمدد السياسي والأيديولوجي لمليشيا الحوثي داخل مؤسسات الحكم، وبالذات في التعليم، حيث كانت المليشيا تعمل بلا توقف على إعادة صياغة المناهج، وإغراق المدارس بخطاب سلالي مغلق يطمس الهوية الوطنية ويستبدلها برواية أحادية لا تمت لروح الدولة اليمنية بصلة.
كان المؤتمر يقاوم من داخل المؤسسات؛ يرفض قرارات، يضغط لإيقاف بعض التعديلات، ويحاول منع تحويل التعليم إلى منصة تعبئة طائفية. لكنه كان يدرك أيضًا أن شراكته مع الحوثيين كانت بمثابة الوقوف على حافة إعصار، وأن المليشيا تمضي بخطوات ثابتة نحو الاستفراد بالسلطة وتطويع الدولة ومقدراتها لخدمة مشروعها.

وفي الثاني من ديسمبر 2017، قال المؤتمر كلمته الأخيرة. انتفض من داخل صنعاء ذاتها، في لحظة كانت الميليشيا خلالها تعيش مرحلة "التمكن الكامل"، وفي وقت ظن فيه الحوثيون أن القبضة الأمنية وحدها كافية لإخماد أي صوت معارض. لكن المشهد انقلب ليُسجل بذلك اليمن صفحةً من أبرز صفحات البطولة الوطنية بقيادة الشهيد الزعيم علي عبد الله صالح، صانع الانتفاضة ومفجّر شرارتها ضد الكهنوت الحوثي.

كان الشهيد علي عبد الله صالح، الزعيم الذي خبر الدولة وخبرته، يدرك أن لحظة المفاصلة قد جاءت. فاختار طريقه... طريق الدولة لا الميليشيا، وطريق الجمهورية لا الإمامة.
إلى جانبه وقف الشهيد عارف عوض الزوكا، صوت الشجاعة والوفاء حتى اللحظة الأخيرة، يقاتل دفاعًا عن فكرة آمن بها... أن اليمن أكبر من أي مشروع صغير، وأن الهوية الوطنية ليست إرثًا قابلاً للمصادرة.

لم تكن انتفاضة 2 ديسمبر انتفاضة مدنيين أو عسكريين فقط، بل كانت انتفاضة هوية. كانت رفضًا قاطعًا لمحاولة إعادة تشكيل الوعي اليمني، ووقوفًا في مواجهة مشروع يسعى لابتلاع الدولة من جذورها.
رغم كل ما واجهه حزب المؤتمر من تحديات ومخاطر، إلا أنه لم يستسلم لمحاولات الجرف والهيمنة، واستطاع أن يثبت أنه كان آخر السدود التي قاومت تحويل مؤسسات الجمهورية إلى أدوات تعبئة عقائدية.

ورغم أن الانتفاضة انتهت باغتيال قياداتها، إلا أنها لم تهزم. فاللحظة التي دوت في صنعاء أعادت صياغة الوعي الوطني، وكسرت وهم القوة المطلقة لدى الحوثيين، وأثبتت للعالم أن اليمنيين يمتلكون القدرة على قول "لا" في وجه الطاغوت الحوثي.

لقد كانت الثاني من ديسمبر لحظة اختار فيها المؤتمر الشعبي العام أن يكون في صف الوطن لا في صف البقاء. لحظة قرر فيها أن الهوية الوطنية أهم من كل الحسابات، وأن مقاومة الجرف الحوثي سياسيًا وثقافيًا وتعليميًا، هي معركة لا بد من خوضها مهما كانت الكلفة.

ستظل هذه الانتفاضة شاهدًا على أن اليمن لا يموت، وأن مشروع الإمامة مهما تمدد، يظل نشازًا وغريبًا على روح البلاد، وأن الجمهورية ستبقى القاعدة التي يعود إليها اليمنيون دائمًا، مهما ابتعدت الطرق وتشعبت المنعطفات.