مزاد أمريكي يعرض أقدم لفيفة توراة يمنية ويكشف ثغرات خطيرة في حماية التراث الوطني
في تطوّر أثار دهشة المتابعين وأعاد فتح ملف حماية التراث اليمني في الخارج من جديد، أعلنت دار سوذبيز في نيويورك أنها ستعرض في مزاد منتصف ديسمبر 2025 لفيفة توراة يمنية نادرة تُعد من أقدم ما وصل إلى يومنا هذا، رغم القيود المفروضة بموجب الاتفاق الثقافي الموقّع بين اليمن والولايات المتحدة الذي يفترض أن يمنع دخول الآثار والمخطوطات اليمنية إلى السوق الأمريكية.
وتشير البيانات التي كشفها الباحث اليمني عبدالله محسن إلى أن عمر أجزاء اللفيفة، بناءً على فحوصات الكربون المشع، يعود إلى الفترة الممتدة بين 1425 و1450م، أي في أواخر الحقبة الرسولية، وهو تاريخ يجعلها أقدم نسخة توراة يمنية كاملة مؤكدة علمياً، متقدمة حتى على النسخة المحفوظة في المكتبة البريطانية. وتضم اللفيفة 76 ورقة جلدية كتبت بالعبرية بخط يمني مربع، تتوزع عليها 227 عموداً صاغها نُسّاخ من اليمن على مدى أجيال، ما يجعلها وثيقة فنية وتاريخية تسجل تحولات الخط العبري اليمني في مراحله الثلاث المتعاقبة.
ومن أبرز ما يميز هذا المخطوط وجود نقطة حبرية صغيرة أسفل الكلمة الواقعة في منتصف كل آية، وهي علامة تقليدية لا تُعرف إلا في المخطوطات اليمنية اليهودية، وتقول سوذبيز إن ثلاث لفائف فقط حول العالم تحمل هذه السمة. كما تظهر آيات نشيد البحر ونشيد موسى بتنسيق هندسي متدرج يشبه قطع الطوب، وهو أسلوب جمالي ارتبط تاريخياً بنسّاخ اليمن.
ويأتي عرض اللفيفة ليجدّد النقاش حول مسار خروج المخطوطات الدينية من اليمن، خاصة بعد حادثة نقل سفر توراة مع حاخام ريدة من صنعاء إلى تل أبيب عام 2016، ولحقتها في 2024 لفيفة أخرى من القرن السادس عشر عرضتها سوذبيز أيضاً بعد توثيق عمرها بالكربون المشع.
ورغم وضوح الاتفاق الثقافي بين واشنطن وصنعاء في حظر تهريب وبيع الآثار اليمنية، إلا أن دور المزادات يبقى محمياً بوجود ثغرة قانونية: فالولايات المتحدة لا تصنف لفائف التوراة اليمنية ضمن الممتلكات الأثرية الحكومية، بل تعاملها كحيازة دينية خاصة ليهود اليمن، وهو ما يعفيها من القيود إلا إذا بادرت جهة رسمية يمنية بالاعتراض وقدّمت ما يثبت خروجها بطرق غير قانونية.
وبينما لا توجد حتى الآن أي مطالبة رسمية، تتعامل دور المزادات الأمريكية مع هذه اللفائف كقطع قابلة للبيع وليست تراثاً وطنياً محمياً، ما يكشف فراغاً تشريعياً وإجرائياً يسمح بانسياب المخطوطات اليمنية إلى السوق العالمية، ويثير أسئلة ملحة حول غياب تحرك مؤسسي يحمي الذاكرة اليمنية من التفكك والضياع.