الحلقة الأولى.. القصة الكاملة لجريمة تفجير دار الرئاسة

 الحلقة الأولى.. القصة الكاملة لجريمة تفجير دار الرئاسة
مشاركة الخبر:

استنادًا إلى ما أُتيح الاطلاع عليه من محاضر جمع الاستدلالات الخاصة بجريمة تفجير دار الرئاسة عام 2011، تتكشف أمام الرأي العام ملامح واحدة من أخطر الجرائم التي استهدفت كيان الدولة اليمنية ورمز سيادتها؛ جريمة لم تكن حدثًا عابرًا، بل نتيجة تخطيط معقّد وتنسيق محكم، تجاوز أثره عدد الضحايا ليطال أمن الوطن واستقراره ومسار الدولة بأكمله.

إن هذه الوثائق الرسمية ترسم صورة متكاملة لما جرى، وتكشف بالتفصيل كيف تداخلت خيوط التحريض والتخطيط والتمويل والتنفيذ، وكيف توزعت الأدوار بين المتورطين، في عملية بالغة الخطورة استهدفت الرئيس الشهيد علي عبدالله صالح وعددًا من قيادات الدولة أثناء صلاة جمعة رجب.
ومن منطلق المسؤولية تجاه الحقيقة والتاريخ، نعرض في هذا السرد الوقائع كما وردت في محاضر التحقيق، دون زيادة أو انتقاص، واضعين المواطن أمام الصورة الكاملة لما حدث، بالأسماء والتسلسل والأدوار، في محاولة لفهم واحدة من أعقد القضايا الجنائية والسياسية في تاريخ اليمن الحديث، ولتبيان حجم ما تعرض له الوطن في تلك اللحظة المفصلية.

أولًا: أدوار الفئة الأولى من المتهمين
1) علي محسن صالح الأحمر
تفيد محاضر القضية بقيامه، عقب تفجير جامع دار الرئاسة وغرفة خزانات الغاز، بتنفيذ قصف مدفعي من منزله الكائن في منطقة حدة، استهدف دار الرئاسة واللواء الثالث واللواء الأول حرس جمهوري.
وتشير الوقائع إلى وجود أسلحة ثقيلة داخل منزله، إلى جانب تجمعات مسلحة منظمة، وفقًا لما ورد في ملف القضية وشهادات شهود عيان.
كما نُسبت إليه تهم إيواء والتستر على عدد من المتهمين الفارين من وجه العدالة داخل مقر الفرقة الأولى مدرع، وصرف مرتبات لهم، في صورة اعتُبرت مساعدة لاحقة على ارتكاب الجريمة.
وتضمنت الاتهامات تسخير آليات وأسلحة الفرقة الأولى مدرع، الخفيفة والثقيلة، لنقل أفراد العصابات المسلحة إلى مواقع تنفيذ المهام، ومواجهة القوات العسكرية التابعة للدولة، إضافة إلى صرف أسلحة وذخائر لتلك المجموعات دعمًا لتنفيذ المخطط المتفق عليه.

2) شركة سبأفون
بحسب ما ورد في محاضر الاستدلالات، قامت الشركة بتفعيل فئة خاصة من الأرقام تبدأ بـ(719) دون الحصول على موافقة وزارة الاتصالات، وهي الأرقام التي استُخدمت في تنفيذ الجريمة، وتم تشغيلها كدائرة مغلقة بين المتهمين، بما سهّل عملية التنسيق فيما بينهم.
كما نُسبت إليها تهمة إصدار أرقام GSM خاصة استُخدمت من قبل بقية أفراد العصابة في تفجير العبوات داخل جامع دار الرئاسة، مع ضمان فصل تلك الشرائح عن أنظمة الرقابة الرسمية والقانونية.
وتشير الوثائق إلى امتناع الشركة عن تزويد جهات الضبط والنيابة العامة بالبيانات المطلوبة المتعلقة بالأرقام المستخدمة في الجريمة، وهو ما عُدّ تضليلًا للعدالة، ومساعدة سابقة ولاحقة ومعاصرة للجناة.
3) حميد عبدالله حسين الأحمر
تفيد الوقائع بقيامه، عقب التفجير مباشرة، بالقصف بقذائف الهاون من داخل منزله في حدة، بعد أن حشد داخله وفي محيطه مجموعات مسلحة قبلية، ووفّر لها مختلف أنواع الأسلحة والذخائر.
كما تشير المحاضر إلى أنه أعد مسبقًا الأسلحة والمجاميع المسلحة داخل منزله، وبدأ القصف على دار الرئاسة ومعسكر اللواء الثالث وجبل النهدين فور وقوع التفجير، إضافة إلى توفير الدعم المالي ووسائل النقل وأجهزة الاتصالات لتلك المجموعات.
4) مذحج عبدالله حسين الأحمر
بحسب ملف القضية، أشرف قبل يوم الجمعة 3/6/2011م على التأكد من جاهزية العصابة ومعداتها، وزوّدها بإحداثيات المواقع المستهدفة بالقصف المدفعي، التي يُرجّح تواجد رئيس الجمهورية وكبار قيادات الدولة فيها.
وفي يوم التنفيذ، وبعد سماع الانفجار مباشرة، أصدر أوامره للمجاميع المسلحة التي حشدها في منزله بقصف دار الرئاسة ومنطقة النهدين، وأشرف بنفسه على عملية القصف، مع التواصل مع عناصر عسكرية متعاونة، وتوجيههم لتصحيح الرمي وضمان إصابة الأهداف المحددة.
5) محمد علي محسن
تذكر محاضر الاستدلالات قيامه بالقصف المدفعي على محيط دار الرئاسة من أرض تابعة له تُعرف بـ(تبة محمد علي محسن) في منطقة حدة، بالتزامن مع قصف نفذته أطراف أخرى.
كما قام بحشد مسلحين داخل تلك الأرض، ونفذ منها قصفًا مكثفًا على النهدين وبعض منازل المواطنين، بعد أن كان قد أعد تلك المجاميع ودربها مسبقًا على القصف باستخدام إحداثيات محددة.
6) فضل صالح محمد ذيبان
تُعد أدواره، وفق ملف القضية، من أكثر الأدوار تفصيلًا، إذ تشير الوثائق إلى عقد المتهم سلسلة اجتماعات في منزله مع أفراد الخلية التي كان يشرف عليها، وقدم خلالها خطابات ومحاضرات تحريضية ضد النظام، وضمت الخلية كلًا من: عبدالله الطعامي، محمد عمر، محمد الغادر، غالب العيزري، عبدالله جعدور، لبيب مدهش، ومحمد علوان.
كما قام بشراء كميات متنوعة من الأسلحة من تجار في صعدة ورداع، شملت بنادق كلاشنيكوف، وصواريخ كتف، وقذائف هاون، واحتفظ بها داخل منزله تمهيدًا لاستخدامها أثناء تنفيذ العملية.
وتولى بنفسه نقل أسلحة ثقيلة، بينها ستة مدافع هاون، باستخدام شاحنة من نوع (دينا) إلى منطقة عذران، حيث سلّمها للمتهم مهدي النجار بهدف استهداف مخازن أسلحة القوات الخاصة.
وشارك في إعداد وتجهيز المتفجرات والصواعق التي استُخدمت لاحقًا في تفجير جامع دار الرئاسة وغرفة خزانات الغاز.
وقبل يومين من الحادث، وتحديدًا يوم الأربعاء 1/6/2011م، سلّم العبوات الناسفة للمتهم عبدالله سعد عبدالله الطعامي لإدخالها إلى دار الرئاسة.
وفي مساء اليوم ذاته، قرابة الساعة العاشرة ليلًا، أرسل للمتهم محمد عمر هاتفًا من نوع نوكيا مرفقًا بورقة مدوّن عليها رقمان لشبكة سبأفون، وطلب منه تسليمها لعبدالله الطعامي، مع توجيهه لإجراء الاتصال يوم الجمعة أثناء الصلاة.
وفي صباح يوم الجمعة، يوم تنفيذ العملية، تواجد في ميدان السبعين، وأجرى اتصالًا هاتفيًا بعبدالله الطعامي داخل دار الرئاسة، طالبًا منه إبلاغه ببدء الصلاة والتأكد من وجود رئيس الجمهورية داخل الجامع.
وقبل نحو أسبوعين من الحادث، كلف المتهم حسين الضبياني بالبحث عن ذخائر والاستفسار عن أسعارها، وطلب منه تأمين ما بين مسدسين إلى ثلاثة مسدسات، إلى جانب جمع معلومات حول توزيع الحراسة في دار الرئاسة وقوتها، كما استفسر عن استعداده لتنفيذ عملية فدائية.
كما عقد اجتماعًا في منزله ضم عددًا من المتهمين، وهم: ناصر القديمي، خالد عطية، توفيق الرميلي، عبدالخالق أبو روية، محمد عمر، عبدالله الطعامي، حسين الضبياني، توفيق الزهدمي، عبدالله جعدور، ومحمد القرهمي، حيث عرض عليهم أنواع المتفجرات ودربهم على تصنيعها وتركيبها واستخدامها.
وألقى محاضرات تحريضية أخرى في منزل المتهم محمد علوان مستخدمًا حاسوبه المحمول.
وسلّم المتهم توفيق الزهدمي قائمة بأسماء عدد من ضباط الحرس، وهم: محمد البهلولي، محمد زيد الأكوع، محمد الذيفاني، وسليم السنحاني، وطلب منه تزويده بعناوينهم بغرض استقطابهم، واصفًا إياهم بأنهم عناصر مؤثرة.
كما كلف المتهمين خالد عطية وعبدالخالق أبو روية بزرع عبوات ناسفة في منطقة العرضي، وطالبهم بتزويده بمعلومات عن عدد الدوائر هناك، وطبيعة المكاتب، ومستوى الحراسة، إضافة إلى العمل على استقطاب عناصر مناسبة.
واشترى عددًا من الهواتف المحمولة والشرائح، إضافة إلى قوالب متفجرات (TNT)، وقام بتوصيلها بالصواعق لاستخدامها في عمليات التفجير.
وأجرى تجارب ميدانية للتأكد من فاعلية التفجير عن بُعد، مستخدمًا هاتفًا موصولًا بصاعق، حيث نفذ التجربة داخل منزله باستخدام قاطرة.
وشارك في التخطيط لاستهداف مخازن القوات الخاصة ونقاط الحراسة التابعة لها، بالتنسيق مع المدعو مهدي النجار.
وفي يوم الجمعة 3/6/2011م، تواصل مع المتهم عبدالرحمن الوشاح لمعرفة موعد إقامة الصلاة في جامع الرئاسة، ثم جرى الاتصال بالأرقام المرتبطة بالعبوات المزروعة داخل الجامع وخزانات الغاز لتفجيرها، وهو ما تم تنفيذه فعليًا.
الإخوان في اليمن: من التغلغل المؤسسي إلى خيار الاغتيال
على خلاف فروع التنظيم في بلدان أخرى، اعتمد الإخوان المسلمون في اليمن منذ وقت مبكر على بناء تنظيمهم من داخل المؤسسة العسكرية، حيث فرضوا نفوذهم على واجهة الجيش ممثلة بالفرقة الأولى مدرع منذ تأسيسها، وكذلك على جهاز المخابرات المعروف آنذاك بالأمن السياسي. ومن خلال هذا التغلغل، أُعلن عن الذراع السياسي للتنظيم تحت مسمى «التجمع اليمني للإصلاح»، والذي شكّل الأداة الرئيسية لبناء شراكتهم مع السلطة السياسية.
عقب خسارتهم انتخابات عام 1997 وخروجهم من الحكومة، راهن الإخوان على استمرار نفوذهم داخل المؤسستين العسكرية والأمنية لاستعادة موقعهم في السلطة عبر التفاوض مع رأس النظام. غير أن هذا الرهان تراجع مع إنشاء الحرس الجمهوري بعيدًا عن نفوذهم وتصدره واجهة القوات المسلحة، إضافة إلى تأسيس جهاز الأمن القومي كمؤسسة استخباراتية جديدة لا يملكون فيها أي تأثير، ما أفقدهم أهم أوراق الضغط التي اعتمدوا عليها منذ نشأة تنظيمهم في اليمن.
ومع توالي إخفاقاتهم السياسية في انتخابات المجالس المحلية عام 2001 والانتخابات النيابية عام 2003، لجأ الإخوان إلى وسائلهم الإعلامية لمحاولة التحريض داخل القوات المسلحة ضد قيادة الدولة. إلا أن هذه المحاولات لم تلقَ استجابة تُذكر، خصوصًا في ظل بروز قوة عسكرية جديدة ازدادت نفوذًا وتأثيرًا على حساب الفرقة التي كانوا يسيطرون عليها. عندها اتجهت أنظارهم إلى محاولة اختراق هذه القوة من خلال التجنيد والاستقطاب، أملًا في الاقتراب من مراكز القرار وإسقاط رأس السلطة دون الدخول في مواجهات عسكرية كانوا يدركون مسبقًا حتمية خسارتها.
وخلال نحو عشر سنوات، تمكن حزب الإصلاح من استقطاب عدد محدود من صغار الضباط وضباط الصف والجنود في الحراسة الخاصة واللواء الثالث حرس جمهوري، حيث أُخذت منهم البيعة، وأُخضعوا لدورات فكرية ومحاضرات مكثفة ركزت على مفاهيم الجهاد والجنة. إلا أن هذه المجموعة لم تنجح في التوسع داخل وحداتها أو استقطاب عناصر إضافية، ولم تشكل قوة قادرة على التأثير في معسكراتها لتنفيذ انقلاب عسكري أو إدارة تمرد منظم أو إحداث انشقاقات مماثلة لما حدث في الفرقة الأولى مدرع.
ومع اندلاع المظاهرات في اليمن متأثرة بما شهدته تونس ومصر وليبيا، دفع التجمع اليمني للإصلاح بثقله الكامل إلى الساحات، واضعًا نصب عينيه التجربة المصرية وتنحي الرئيس مبارك. فحرّك أنصاره وحلفاءه، وسخر أدواته الإعلامية لتأجيج الشارع، واستقطاب المتذمرين من داخل الحزب الحاكم وخارجه، كما أطلق مليشياته المسلحة للسيطرة على مؤسسات الدولة ومهاجمة بعض المعسكرات ومحاولة فرض السيطرة على عدد من المدن. إلى جانب ذلك، أدخل واجهته القبلية في مواجهات مسلحة مع الدولة، ما أدى إلى تصاعد الفوضى وخروج زمام المبادرة من يده تدريجيًا.
ومع استنزاف أوراق الإصلاح السياسية والمالية بفعل استمرار الاحتجاجات، لم يتبقَ أمامه سوى الدفع بالقائد العسكري والفرقة التابعة له إلى الشارع وإعلان الانشقاق عن الجيش والانضمام إلى ما سُمي بالثورة، في محاولة للسيطرة على المشهد.
ولم يكن الهدف من نزول الفرقة خوض مواجهة عسكرية مباشرة مع الدولة، إذ كان القائد العسكري يدرك مسبقًا نتائجها، وإنما جاء هذا التحرك لمنع خسارة الإصلاح لمعركته السياسية التي بدأت ملامح فشلها تتضح، في ظل غياب أي أوراق ضغط فاعلة.
ومع نزول الفرقة، أُديرت الأزمة السياسية بأساليب عسكرية، وسقط عشرات القتلى والجرحى من المتظاهرين تحت حمايتها، فيما تولى الإصلاح وأجهزته الإعلامية تشييعهم واستثمار دمائهم في معركة اعتبرها معركة مصيرية. وفي تلك الأثناء، برز شبح الحرب الأهلية، ما دفع أطرافًا إقليمية ودولية للتدخل بحثًا عن مخرج يجنب البلاد الانزلاق الشامل.
ومع حالة التردد والقلق التي اتسم بها الموقف الإقليمي والدولي، اتجه الإصلاح وقائده العسكري إلى الاستفادة من خلية تابعة لهم داخل دار الرئاسة، كانت قد بايعت على السمع والطاعة، بهدف اغتيال رئيس الدولة وعدد من القيادات العليا العسكرية والمدنية.
غير أن هذه المجموعة لم تكن مؤهلة لتنفيذ عمليات بهذا الحجم، إذ فشلت منذ تجنيدها في تنفيذ التفجيرات المطلوبة داخل اللواء الثالث حرس جمهوري، أو تعطيل الأسلحة في معسكراتها، واقتصر دورها على تسريب معلومات تتعلق بالتحركات العسكرية وأسماء القادة. وبناءً على ذلك، أُسندت قيادة الخلية إلى عناصر مدنية منتمية لجماعة الإخوان، وهم: المهندس فضل ذيبان العامل في المؤسسة العامة للكهرباء، والدكتور لبيب مدهش المدرس في جامعة صنعاء، وإبراهيم الحمادي مدير العلاقات والتسويق في جمعية الإصلاح الاجتماعي الخيرية، ومحمد علوان العامل في جامعة العلوم والتكنولوجيا.
وفي مارس 2011، عقد الدكتور لبيب مدهش اجتماعًا في منزله بمنطقة مذبح، ضم محمد علوان وكلًا من عبدالله الطعامي، الملازم في الحرس الخاص، ومحمد أحمد عمر، الرقيب في الكتيبة الأولى مرافقة، ومحمد الغادر من الحرس الخاص، لاختبار مدى استعدادهم لتنفيذ الجريمة. وأُبلغوا بأن الهدف هو إيصال رسالة للسلطة عبر تفجيرات في مواقع حساسة بدار الرئاسة، مع التذكير بالبيعة السابقة وما تلقوه من تعبئة فكرية ودروس حول الجهاد وقصص الاغتيالات في السيرة النبوية. وبعد التأكد من استعدادهم، تشكلت خلية القيادة وبدأ التخطيط لعمليات تستهدف اغتيال رئيس الدولة وعدد من القيادات المدنية والعسكرية.
وباشروا بجمع المعلومات والإعداد لتنفيذ سلسلة عمليات، شملت التفجير داخل دار الرئاسة، ومحاولات اغتيال متعددة، وزرع عبوات ناسفة، وتعطيل أسلحة وحدات عسكرية وأمنية، والتلاعب بأنظمة المراقبة، في إطار مخطط واسع النطاق كان يهدف إلى إحداث صدمة سياسية وأمنية كبرى.