«مينوسكا» بين حماية المدنيين وتعقيدات السلام: مهمة شاقة في قلب أفريقيا الوسطى

«مينوسكا» بين حماية المدنيين وتعقيدات السلام: مهمة شاقة في قلب أفريقيا الوسطى
مشاركة الخبر:

تواصل القارة الأفريقية مواجهة دوامات متكررة من الصراعات العرقية والدينية والسياسية، وتبرز جمهورية أفريقيا الوسطى نموذجاً صارخاً لتعقيد هذه الأزمات، حيث تتقاطع الهشاشة الأمنية مع ضعف مؤسسات الدولة، في مشهد يثقل كاهل المجتمع والدولة على حد سواء.

ومنذ اندلاع الحرب الأهلية عام 2013 عقب الإطاحة بالرئيس السابق فرانسوا بوزيزي، دخلت البلاد مرحلة عنف مفتوح، اتخذ طابعاً دينياً بين فصائل مسلمة وأخرى مسيحية، ما دفع المجتمع الدولي إلى التحرك تحت مظلة الأمم المتحدة، إدراكاً لخطورة الانزلاق نحو فوضى شاملة، وإن كان الحل بعيد المنال.

وفي أبريل (نيسان) 2014، أنشأت الأمم المتحدة بعثتها المتكاملة متعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في أفريقيا الوسطى «مينوسكا»، لتكون أداة دولية لمحاصرة النزاع والحد من تداعياته. وتولت البعثة مهام واسعة، شملت حماية المدنيين، ودعم العملية السياسية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، إلى جانب مراقبة أوضاع حقوق الإنسان وتعزيز سيادة القانون.

ورغم البيئة المعقدة، سجلت «مينوسكا» تقدماً نسبياً على الأرض، إذ أسهمت في الحد من موجات عنف واسعة، ونزعت سلاح أكثر من 800 مقاتل منذ منتصف عام 2025، كما استهدفت بنى تحتية لفصائل مسلحة، ما خفف من التهديدات المباشرة للمناطق السكنية. كذلك دعمت البعثة جهود المصالحة، وتنفيذ اتفاقيات السلام، وإصلاح القطاع الأمني، وإعادة دمج المقاتلين السابقين في المجتمع.

وفي مؤشر على استمرار الرهان الدولي على دور البعثة، قرر مجلس الأمن في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تمديد ولايتها لعام إضافي، رغم امتناع الولايات المتحدة عن التصويت، في خطوة عكست تباينات دولية بشأن فاعلية عمليات حفظ السلام.

ولم يقتصر دور «مينوسكا» على الجانب الأمني، بل امتد إلى تسهيل إيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المعزولة، وكشف الانتهاكات الحقوقية، دعماً لمبدأ المساءلة. وفي مناطق متوترة مثل إقليم أوت مبومو جنوب شرقي البلاد، عززت البعثة انتشارها منذ عام 2024، ما أتاح للسلطات المدنية استعادة قدر من السيطرة.

غير أن هذه النجاحات بقيت محدودة، إذ واصلت بعض الجماعات المسلحة خرق اتفاقيات السلام، مستفيدة من وعورة الجغرافيا وضعف البنية التحتية، فيما تعرضت قوات حفظ السلام لهجمات واحتجاجات محلية، كشفت عن صعوبة ترسيخ الثقة مع السكان. كما واجهت البعثة تحديات لوجستية ونقصاً في الموارد، ما أثر على سرعة انتشارها وفاعلية تدخلها.

وبينما تمثل الأمم المتحدة مظلة حماية ضرورية للمدنيين، يرى مراقبون أن قدرتها على إنهاء الصراع جذرياً تظل محدودة، في ظل غياب دولة قوية قادرة على فرض الأمن وتحقيق العدالة. ويجمع محللون على أن السلام الدائم في أفريقيا الوسطى مرهون بتكامل الدعم الدولي مع مشروع وطني شامل لبناء مؤسسات فاعلة، وهو تحدٍ كبير يواجه الرئيس فاوستين أركانج تواديرا مع اقتراب ولايته الرئاسية الثالثة المتوقعة.

وتتكرر هذه المعادلة المعقدة في دول أفريقية أخرى تستضيف بعثات أممية، مثل الكونغو الديمقراطية ومالي وجنوب السودان والصومال، حيث تسعى المنظمة الدولية إلى تثبيت سلام هش في قارة ما زالت مثقلة بصراعات متداخلة ومتجددة.