القاهرة تلوّح بالتعويضات وسط وساطة أميركية محتملة: «سد النهضة» يعود إلى واجهة التصعيد

القاهرة تلوّح بالتعويضات وسط وساطة أميركية محتملة: «سد النهضة» يعود إلى واجهة التصعيد
مشاركة الخبر:

عاد ملف «سد النهضة» الإثيوبي إلى صدارة المشهد الإقليمي، مع تصاعد مؤشرات التوتر بين القاهرة وأديس أبابا، في وقت طرحت فيه الولايات المتحدة عرضًا لاستئناف دور الوساطة بهدف التوصل إلى تسوية عادلة للنزاع القائم منذ أكثر من عقد. وفي خطوة لافتة، لوّحت مصر بإمكانية المطالبة بتعويضات مالية عن الأضرار المائية التي تسبب فيها السد لكل من مصر والسودان، معتبرة أن تلك الأضرار باتت ثابتة ومراكمة، حتى وإن لم يشعر المواطن المصري بتأثيرها المباشر حتى الآن.

وخلال جلسة عامة لمجلس الشيوخ المصري، أكد وزير الموارد المائية والري هاني سويلم أن بناء سد النهضة ألحق أضرارًا فعلية بمصر، موضحًا أن انخفاض حصة البلاد من مياه النيل يمثل ضررًا قائمًا وفق المعايير الفنية والقانونية. وأشار إلى أن نجاح الدولة خلال السنوات الماضية في إدارة مواردها المائية ومنع انقطاع المياه عن المواطنين لا ينفي مسؤولية إثيوبيا عن الإجراءات الأحادية التي اتخذتها، ولا يبرئ السد من تبعاته السلبية على دولتي المصب.

وشدد الوزير على أن مصر تكبدت أعباء مالية ضخمة لمواجهة نقص المياه، من خلال التوسع في مشروعات تحلية مياه البحر، وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والصحي، فضلًا عن إجراءات إدارة الموارد المائية، مؤكدًا أن كلفة هذه التدابير وصلت إلى مليارات الجنيهات، ما يفتح الباب أمام المطالبة بتعويضات عادلة في المستقبل.

ويأتي هذا التصعيد في ظل علاقات متوترة بين مصر وإثيوبيا بسبب السد الذي شرعت أديس أبابا في بنائه عام 2011، وافتتحته رسميًا في سبتمبر الماضي، دون التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل. وتؤكد القاهرة والخرطوم أن غياب هذا الاتفاق يهدد أمنهما المائي، ويخالف مبادئ القانون الدولي الخاصة باستخدام الأنهار العابرة للحدود.

من جانبه، دعا أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، مصر والسودان إلى إعداد ملف متكامل يوثق الأضرار الناتجة عن سد النهضة، معتبرًا أن إثبات هذه الأضرار ممكن علميًا وفنيًا. وأوضح أن تخزين نحو 64 مليار متر مكعب من المياه في بحيرة السد حرم دولتي المصب من تدفقات مائية كانت ستصل إليهما بشكل طبيعي، إضافة إلى الأضرار الناتجة عن الفتح المفاجئ لبوابات السد خلال شهري سبتمبر وأكتوبر الماضيين، ما أدى إلى غرق قرى سودانية وتضرر أراضٍ زراعية ومنازل في مصر.

وأشار شراقي إلى أن تأثيرات السد لا تقتصر على حجب المياه أو التسبب في فيضانات مفاجئة، بل تمتد إلى إرباك تشغيل السدود والمنشآت المائية في مصر والسودان، نتيجة غياب التنسيق وعدم وضوح سياسات التشغيل الإثيوبية. وأضاف أن كل مليار متر مكعب من المياه يُحجب عن مصر يترتب عليه خسائر زراعية واقتصادية تُقدّر بمليارات الجنيهات، فضلًا عن كلفة الحلول البديلة التي تلجأ إليها الدولة.

وعلى الصعيد الدولي، برزت مبادرة أميركية جديدة بعد أن وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب رسالة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أعرب فيها عن استعداد واشنطن لاستئناف المفاوضات حول سد النهضة بهدف التوصل إلى حل نهائي وعادل. ورحّب السيسي بالمبادرة، مؤكدًا حرص مصر على التعاون الجاد والبنّاء مع دول حوض النيل، وفق مبادئ القانون الدولي، وبما يضمن الحقوق المائية لجميع الأطراف.

كما أعلن رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان دعم بلاده للمبادرة الأميركية، مشددًا على أهمية الوصول إلى حلول مستدامة تحفظ الحقوق وتدعم الأمن والاستقرار في الإقليم.

قانونيًا، يرى أستاذ القانون الدولي العام الدكتور محمد محمود مهران أن طرح مسألة التعويضات يستند إلى أساس قانوني دولي سليم، لا سيما في ضوء اتفاقية الأمم المتحدة لاستخدام المجاري المائية الدولية لعام 1997، التي تُلزم دول المنبع بعدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول المصب، وتقر بمسؤوليتها عن التعويض في حال وقوع الضرر. لكنه أشار في الوقت ذاته إلى تعقيدات إجرائية، أبرزها اشتراط محكمة العدل الدولية موافقة إثيوبيا على نظر أي دعوى محتملة، ما يجعل المسار القانوني محفوفًا بالتحديات.

وبين التصعيد السياسي، والوساطة الدولية، والخيارات القانونية، يبقى ملف سد النهضة مفتوحًا على احتمالات متعددة، في انتظار ما ستسفر عنه التحركات الدبلوماسية القادمة، وما إذا كانت ستنجح في تحويل النزاع من دائرة الصراع إلى مسار التسوية العادلة التي تضمن الأمن المائي لدول حوض النيل كافة.