ورقة تقدير موقف استراتيجي: الشرق الأوسط على حافة الانفجار

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

مقدمة: لحظة فاصلة في الإقليم والنظام الدولي
يقف الشرق الأوسط والعالم عند منعطف تاريخي منذ نهاية الحرب الباردة، حيث تتقاطع أزمة الهيمنة الأمريكية، وصعود نظام دولي متعدد الأقطاب، مع تراكم بؤر الصراع الإقليمي. في هذا السياق، لا يُقرأ الحديث عن ضربة أمريكية–إسرائيلية محتملة ضد إيران كحدث عسكري معزول، بل كحلقة مركزية في صراع بنيوي لإعادة هندسة النظام الدولي وموازين القوة في الشرق الأوسط.
أي تصعيد—سواء وقع، تأجّل، أو استُخدم أداة ابتزاز—يحمل تداعيات مباشرة على خرائط النفوذ، ويهدد بإشعال صراعات متعددة الجبهات، وتعميق الفوضى، واستغلال الانشغال الدولي لتصفية الحقوق الفلسطينية والقضاء على أي محور مقاومة مستقل.
أولًا: السياق الدولي – أزمة النظام وصراع الإرادات

1. أزمة النظام الدولي
انتقال متسارع من هيمنة أمريكية شبه مطلقة إلى تعددية قطبية هشة.
توسّع الحروب بالوكالة والعقوبات الاقتصادية كسلاح صراع.
تموضع إيران في قلب الاشتباك الجيوسياسي يجعل أي استهداف لها مفتوحًا على ارتدادات إقليمية ودولية واسعة.
2. تراجع الهيمنة الأمريكية
إخفاقات الحروب الطويلة (العراق، أفغانستان).
عجز عن الحسم في أوكرانيا.
صعود الصين اقتصاديًا وتكنولوجيًا وعودة روسيا لاعبًا عسكريًا مؤثرًا.
أي ضربة لإيران تبدو محاولة لإعادة إنتاج الردع بالقوة دون خطة مستدامة لما بعد الهجوم، في وقت ترهق فيه الدولة الأمريكية أزمات داخلية واقتصادية هيكلية.

ثانيًا: منطق القرار الأمريكي – بين الضغط والمقامرة
العوامل الداخلية
-حصار سياسي وإعلامي للرئيس ترامب بفعل ملفات وتسريبات وضغوط قضائية.
-إغراء "الهروب للأمام" عبر استعراض قوة خارجية لتخفيف الزخم الداخلي.
-حسابات انتخابية وتأثير اللوبي الإسرائيلي.

العوامل الخارجية
-حذر خليجي ورفض واسع للتورط المباشر في حرب جديدة.
-اعتماد واشنطن على إسرائيل كمحرّك تصعيد أساسي.
-محدودية الغطاء الدولي وارتفاع كلفة الحرب الاقتصادية والسياسية.

ثالثًا: إسرائيل – من الردع إلى مشروع الهيمنة الإقليمية
1. الهيمنة الإسرائيلية على الشرق الأوسط
تسعى إسرائيل لتثبيت نفسها قوة مركزية مهيمنة عبر احتكار التفوق العسكري النوعي والتحكم بموازين الردع ومنع تشكّل محور مناوي لها .

2. مشروع "إسرائيل الكبرى"
يتجاوز التفكير الإسرائيلي منطق الدفاع إلى إعادة تشكيل الإقليم بالقوة، تفتيت مراكز القوة، وإدامة الإنهاك والفوضى المُدارة، ومنع قيام توازنات ردع مستقلة.

3.تصفية القضية الفلسطينية
ترى إسرائيل في بقاء القضية الفلسطينية حيّة عقبة أمام هيمنتها، ما يفسر سياسات الإبادة والتهجير في غزة واستغلال الانشغال الدولي.
4. حسم الصراعات في لبنان واليمن والعراق
تعتبر إسرائيل هذه الساحات تهديدات وجودية غير مباشرة وأذرع ردع إيرانية؛ والضربة لإيران فرصة لكسر حزب الله، وتحجيم التهديد اليمني البحري، وتقليص نفوذ محور المقاومة في العراق.
5. إعادة فرض الردع بالقوة
تآكل توازن الردع يدفع إسرائيل لمحاولة استعادة المبادرة عبر "صدمة كبرى"، رغم مخاطر فقدان السيطرة على التطورات الإقليمية.

رابعًا: إيران – القدرة والردع والاستعداد الشامل
-القوة العسكرية والاستراتيجية
-خبرة طويلة في الحروب غير المتكافئة.
-شبكة تحالفات إقليمية متعددة الساحات (لبنان، العراق، سوريا، اليمن).
-قدرات صاروخية دقيقة وفائقة السرعة، وقدرات تدميرية عالية، ونظم ردع غير متكافئة.
-أوامر مفتوحة تأهب للحرس الثوري لحماية المنشآت النووية والصاروخية والدفاع عن العمق الوطني.
-الاستراتيجية الدفاعية والهجومية
-تحويل الضربة المحدودة إلى مواجهة متعددة الأبعاد (العمق الإسرائيلي، البحر، الممرات الحيوية).
-ردود متدرجة: إغلاق مؤقت لمضيق هرمز، ضربات صاروخية، تحريك الحلفاء في اليمن ولبنان، هجمات سيبرانية أو غير تقليدية.
البعد السياسي–الاجتماعي
-قدرة تعبئة وطنية شاملة ضد أي تهديد خارجي.
-تماسك مؤسسي يضمن إدارة صراع طويل، مع الحفاظ على استقرار داخلي نسبي رغم الاحتجاجات.

خامسًا: الاقتصاد والحرب – الولايات المتحدة تترنّح:
دين عام أمريكي يتجاوز 39 تريليون دولار مع ضغوط فوائد خانقة.
أي حرب طويلة—خصوصًا بمشاركة إسرائيل—تعني نزيفًا ماليًا مفتوحًا (تسليح، دعم لوجستي، تعويضات، إعادة إعمار).
احتقان داخلي وانقسام سياسي–مجتمعي يقللان القدرة على تحمّل كلفة الحرب.
مؤشرات خوف عالمي: ارتفاع الذهب، تذبذب أسواق الطاقة، ضغوط على الدولار ومكانته.

سادسًا: سيناريوهات التصعيد
تتميز حالة الشرق الأوسط الحالية ورغم الاستعداد الأمريكية الواسعة  بدرجة عالية من عدم اليقين، حيث تشكل أي مناورات أمريكية أو إسرائيلية ضد إيران عنصر ضغط سياسي وأمني محدود اقتصاديًا، مع إمكانية استغلالها للمراوغات والابتزاز السياسي.
أما السيناريو الأكثر احتمالًا في المدى القصير، فهو ضربة محدودة أو متوسطة، تستهدف منشآت محددة، قد تؤدي إلى توسع تدريجي في نطاق الاشتباك وفقدان جزئي للسيطرة، مع اضطراب ملحوظ في أسواق الطاقة وتأثير محدود على الاقتصاد العالمي.
في المقابل، يحمل السيناريو الشامل—وهو الأقل احتمالًا لكنه الأخطر—إمكانية شلل مؤقت للبنية العسكرية الإيرانية، مع اندلاع حرب متعددة الجبهات تمتد من الخليج إلى بلاد الشام، ما يفضي إلى أزمة عميقة في النظام العالمي، ويضع كل اللاعبين أمام تحديات غير مسبوقة في إدارة الصراع.
كما يبقى احتمال حرب استنزاف طويلة قائمًا، بمعدل منخفض إلى متوسط، حيث تتكبد الأطراف خسائر جسيمة، وينجم عنها فوضى إقليمية ممتدة، وتسريع عملية التحول نحو تعددية قطبية أكثر حدة، مع إعادة رسم موازين القوة على نحو يعقد أفق التسويات التقليدية.
وأخيرًا، قد يؤدي مسار التسوية القسرية بعد الصدمة إلى احتواء هش للصراع، مع هدنة قابلة للانفجار في أي لحظة، وتثبيت توازن مؤقت بين القوى، لكنه يترك المنطقة عرضة للانفجارات المستقبلية وعدم الاستقرار الطويل الأمد.

ملاحظة: حالة عدم اليقين شديدة؛ تصريحات ترامب المتناقضة، التسريبات الأمريكية، وسلوك إيران الاستراتيجي تجعل توقيت ونطاق الضربة متغيرًا لحظة بلحظة.

سابعًا: ساحات الانفجار المحتملة
لبنان: استنزاف صاروخي دقيق عبر حزب الله، تصعيد محدود أو استراتيجي محتمل.
سوريا: ممرات للصراعات بالوكالة، مناطق عبور أسلحة وحلفاء.
العراق: هشاشة سياسية ووجود أمريكي مباشر، انفجار أمني محتمل.
اليمن والبحر الأحمر: تهديد الملاحة وارتفاع كلفة الاقتصاد العالمي.
فلسطين: الخشية من استغلال إسرائيل الانشغال في ضرب إيران كفرصة لتصفية الحقوق، ومحاولات تهجير الفلسطينيين والاعلان عن الضم للضفة الغربية.

ثامنًا: المواقف الدولية وحدود الدعم
روسيا والصين: دعم سياسي واقتصادي محدود، وعمل دبلوماسي لمنع الانفجار الشامل ولكن دون مواجهة مباشرة مع أمريكا
أوروبا: تماسك هش خلف الولايات المتحدة الأمريكية وكلفة اقتصادية عالية،و تأثر بأسواق الطاقة.

الدول العربية: رفض واسع للحرب، مسارات وساطة نشطة، في زل ادارك الحاجة لمحور عربي–إسلامي مستقل.

الخيار الاستراتيجي العربي: بناء علاقات قائمة على حسن الجوار، تعزيز التعاون الاقتصادي–الإنساني، حماية الأمن القومي العربي، ومنع انزلاق المنطقة لحرب شاملة، وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية.

تاسعًا: خاتمة استشرافية – الإقليم على حافة الانفجار وإعادة تشكيل النظام
تشير مجمل المؤشرات الاستشرافية إلى أن الشرق الأوسط يقف على عتبة انفجار تاريخي قد يعيد رسم خرائط النفوذ وموازين القوة، ليس فقط إقليميًا بل على مستوى النظام الدولي برمّته. إن أي ضربة عسكرية ضد إيران—حتى لو صُنّفت بأنها محدودة أو محسوبة—تحمل في جوهرها قابلية عالية للانزلاق نحو صراع متعدد الجبهات، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الانهيارات السياسية والاقتصادية، وتخرج فيه مسارات الأحداث سريعًا عن نطاق السيطرة.
تكشف المعطيات أن إيران تمتلك قدرة واضحة على الصمود وتحويل الصدمة إلى رافعة سياسية–استراتيجية، عبر توسيع ساحات الاشتباك، وتعقيد كلفة الردع، واستثمار عمقها الإقليمي وتحالفاتها غير المتكافئة. وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة وإسرائيل أمام معضلة استراتيجية حقيقية: فالهجوم الذي يُراد منه إعادة فرض الردع وترسيخ الهيمنة قد يتحول إلى لحظة تسريع لأفولها، في ظل تآكل الغطاء الدولي، وانقسام الداخل الأمريكي، وتزايد كلفة الحرب اقتصاديًا وسياسيًا.
الأخطر أن الفوضى الناتجة عن أي مواجهة واسعة لن تبقى محصورة في إيران أو إسرائيل، بل مرشحة للتمدد إلى الخليج وبلاد الشام والبحر الأحمر، مع تداعيات مباشرة على أسواق الطاقة، وحركة التجارة العالمية، واستقرار الدول الهشّة أصلًا. وفي هذا السياق، تبرز القضية الفلسطينية كأكثر الملفات تعرضًا للاستغلال، حيث قد يُستخدم الانشغال الدولي لتكريس وقائع تصفوية، أو دفع المنطقة نحو انفجارات شعبية أوسع.
تؤكد هذه القراءة أن كلفة الحرب، في كل السيناريوهات تقريبًا، تفوق عوائدها المحتملة، وأن منطق “الصدمة الكبرى” لم يعد أداة فعّالة لضبط الإقليم، بل بات وصفة مفتوحة للفوضى. وعليه، فإن المسار الأقل كلفة—والأكثر عقلانية—يمر عبر تثبيت الردع المتبادل، وفتح مسارات تسوية إقليمية شاملة، وبناء ترتيبات أمن جماعي تقوم على احترام السيادة والقانون الدولي،  وإنهاء سياسات الإقصاء والهيمنة، وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية بوصفها مدخلًا مركزيًا لأي استقرار مستدام في الشرق الأوسط.
الخلاصة النهائية: قد تحقق الضربة—إن وقعت—نجاحًا تكتيكيًا محدودًا، لكنها تحمل في طياتها مخاطر استراتيجية كبرى. أما الفشل، فهو سيناريو مُكلف للجميع، وقد يسرّع الانتقال القسري نحو نظام إقليمي ودولي جديد، أقل خضوعًا وأشد اضطرابًا.