مفاوضات الأسرى تعود إلى عمّان تحت ظلال الإعدامات وتعقيدات الأسماء المفقودة
تدخل مفاوضات تبادل الأسرى في اليمن جولة جديدة في العاصمة الأردنية عمّان، برعاية الأمم المتحدة، وسط أجواء مشوبة بالحذر وتراجع ملحوظ في سقف التوقعات، نتيجة عراقيل متشابكة وضعتها جماعة الحوثي أمام إغلاق واحد من أكثر الملفات الإنسانية إلحاحًا.
وتهدف الجولة الحالية إلى اعتماد القوائم النهائية للأسرى والمعتقلين الذين سيجري الإفراج عنهم من الجانبين، واستكمال ما تم التوافق عليه خلال جولة مسقط الثانية الشهر الماضي. غير أن انطلاقتها تأتي بعد خطوات تصعيدية وُصفت بأنها تقوّض أي مناخ إيجابي، أبرزها إصدار أحكام إعدام بحق 32 مختطفًا، إلى جانب مطالبات حوثية بأسماء يقول الجانب الحكومي إنه لا يملك أي معلومات عن مصيرها.
وتعوّل الأمم المتحدة على تجاوز هذه التعقيدات، باعتبار إنجاز صفقة التبادل مدخلًا إنسانيًا مهمًا لتخفيف معاناة آلاف الأسر اليمنية، وإعادة قدر محدود من الثقة إلى مسار سياسي وإنساني شديد الهشاشة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن تتحول الجولة الجديدة إلى حلقة إضافية في مسلسل إطالة الأزمة.
وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم الفريق الحكومي في ملف الأسرى، ماجد فضائل، إن المفاوضات المباشرة تسعى إلى استكمال تبادل القوائم والمصادقة عليها تمهيدًا للتنفيذ، مؤكدًا التزام الوفد الحكومي بالعمل "بمسؤولية وطنية" من أجل الإفراج عن جميع المحتجزين دون استثناء. وأعرب عن أمله في أن يُبدي الطرف الآخر الجدية نفسها، بما يسمح بإنهاء معاناة أسر تنتظر أبناءها منذ سنوات.
لكن مصادر مطلعة على سير الملف تشير إلى أن الإشكالات الجوهرية ما زالت قائمة، وعلى رأسها إصرار الحوثيين على إدراج أسماء مقاتلين غير موجودين في سجلات الحكومة، رغم تأكيدات سابقة بعدم احتجازهم. وبحسب المصادر، عرضت الحكومة التعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر للتحقق من مصير هؤلاء، بما في ذلك البحث في جبهات القتال، شريطة إنجاز الإفراج عن الأسرى المؤكد وجودهم أولًا، إلا أن المقترح قوبل بالتسويف.
الإعدامات كورقة ضغط
ترى الحكومة اليمنية أن استمرار محاكمة العشرات من المعتقلين، معظمهم من العاملين في المجال الإنساني ومنظمات الإغاثة، يمثل ضربة مباشرة لجهود بناء الثقة، لا سيما بعد صدور أحكام إعدام بحق 32 مختطفًا عقب جولة مسقط الأخيرة.
من جهتها، أدانت "الهيئة الوطنية للأسرى والمختطفين" هذه الأحكام، ووصفتها بأنها "سابقة خطيرة" تكشف عن توظيف القضاء كأداة انتقام سياسي. وأكدت أن بين المحكومين موظفين في منظمات دولية وإنسانية وعاملين في بعثات دبلوماسية، معتبرة أن هذه الإجراءات تمثل استهتارًا بالاتفاقات الإنسانية وتقويضًا متعمدًا لأي مسار تفاوضي جاد.
وأوضحت الهيئة أن الأحكام صدرت عن محكمة حوثية متخصصة بقضايا "الإرهاب وأمن الدولة"، في مسار قضائي سريع وغير معتاد بين درجتي التقاضي، ما أثار مخاوف جدية من نية التعجيل بتنفيذ الإعدامات.
كما ربطت الهيئة بين هذه الأحكام وخطاب تحريضي سابق لزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، اتهم فيه منظمات إنسانية دولية باستغلال العمل الإغاثي، معتبرة أن ذلك الخطاب شكّل "حكمًا مسبقًا" ضد المختطفين، وأن المحاكمات لم تكن سوى غطاء شكلي لقرارات متخذة سلفًا.
وأكدت الهيئة بطلان هذه الأحكام قانونيًا، لصدورها عن محاكم غير شرعية، مشددة على أن المختطفين حُرموا من ضمانات المحاكمة العادلة وتعرضوا لانتهاكات جسيمة، بما في ذلك الاعترافات القسرية.
ودعت الهيئة إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحكومين، وناشدت الأمم المتحدة ومبعوثها الخاص والمفوض السامي لحقوق الإنسان التدخل العاجل وفتح تحقيق دولي مستقل، محذّرة من أن استمرار الصمت الدولي قد يشجع على مزيد من الانتهاكات.
ويُذكر أن جولة المفاوضات السابقة أسفرت عن اتفاق مبدئي لإطلاق نحو 2900 أسير من الطرفين، مع التزام بتبادل القوائم خلال شهر، وانتشال وتسليم الجثامين عبر الصليب الأحمر، وتشكيل لجان لزيارة السجون وحصر بقية المحتجزين، غير أن تنفيذ الاتفاق لا يزال رهناً بتجاوز العقد القائمة.