أوروبا تخسر تنافسيتها بسبب تجاهل التكاليف النظامية للطاقة

أوروبا تخسر تنافسيتها بسبب تجاهل التكاليف النظامية للطاقة
مشاركة الخبر:

تشهد المصانع الأوروبية، خاصة في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة كالصناعات الكيماوية والصلب والأسمدة، إغلاقاً أو تقليصاً للإنتاج، أو انتقالاً إلى الخارج، وذلك نتيجة عدم إدراك القيادة الأوروبية للتكاليف النظامية الباهظة المترتبة على التحول في مصادر الطاقة.

يواجه القادة الأوروبيون مشكلة فقدان القدرة التنافسية، لكن مقاربتهم تظل حبيسة نموذج فكري خاطئ يركز على خفض الأسعار عبر التوزيع الإداري للأعباء، متجاهلين القيود المادية والواقعية للنظام الطاقي. ويُشار إلى أن رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيتسو وصف خطة الاتحاد الأوروبي لإنهاء واردات الغاز الروسي بالكامل بأنها "انتحار طاقي"، مشيراً إلى أن أوروبا تكرر مساراً خاطئاً رغم الدروس المستفادة.

يكمن جوهر المشكلة في إيمان راسخ لدى صناع القرار الأوروبيين بقدرة البراعة الإدارية على تجاوز الحدود المادية، حيث يتم التركيز على "الأفكار" المتعلقة بالسياسات، بدلاً من "المعتقدات" الأساسية التي تشكل إطار العمل، والتي تتمثل في الاعتقاد بأن القرارات الاقتصادية تُحسم حصراً في نطاق الأسعار وليس في الواقع المادي أو التكاليف النظامية.

شهدت أسعار الجملة للغاز في عام 2022 ارتفاعات هائلة، ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى نشر أجهزة إدارية ضخمة لإعادة توزيع التكاليف بدلاً من خفضها فعلياً، من خلال فرض سقف للأسعار، وتجميد التعريفات المنظمة، وفرض ضرائب على الأرباح غير المتوقعة، وتقديم إعانات مباشرة للموردين. كما تضمن الرد اعتماداً مكلفاً على الغاز الطبيعي المسال (LNG)، الذي يتطلب عمليات تسييل ونقل وإعادة تغويز كثيفة الاستهلاك للطاقة، مما رفع التكاليف الهيكلية بشكل دائم.

إن الإجراءات الحالية، مثل مقترحات ألمانيا لإدخال "سعر كهرباء صناعي مدعوم" أو خطط إيطاليا لتوفير الكهرباء بأسعار ثابتة للمستهلكين الصناعيين، لا تخفض التكاليف الإجمالية للنظام، بل تعيد توزيعها فحسب. ففي حين قد تنخفض أسعار الجملة، يظل العبء الحقيقي متمثلاً في زيادة الطاقة الاقتصادية اللازمة لتأمين نفس الكمية من الطاقة، وهو ما يُقاس بـ"تكلفة الطاقة للطاقة" (ECoE).

إن تراجع القدرة التنافسية الأوروبية ليس نتيجة لاختيار حوافز خاطئة، بل هو نتاج امتصاص نظام الطاقة لحصة متزايدة من الناتج الاقتصادي لمجرد الحفاظ على استدامته. ويؤكد التحليل أن التركيز المفرط على الأسعار النقدية يحجب الحقيقة المادية، فالتطور الاقتصادي والنمو السكاني مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بكثافة الطاقة والإنتاجية النظامية، وهو ما تتجاهله النماذج الأوروبية الحالية لصالح التعقيد الإداري الذي يستهلك بدوره المزيد من الطاقة الفائضة.