رمضان تحت قبضة الحوثي: جبايات وسلب رواتب وتجويع ممنهج في صنعاء
يحلّ شهر رمضان على سكان صنعاء هذا العام مثقلاً بأعباء غير مسبوقة، في ظل انهيار معيشي يختزل سنوات من السياسات التي عمّقت الفقر ووسّعت رقعة العوز. فبدلاً من أن يكون الشهر الكريم موسماً للتكافل والسكينة، تحوّل في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي إلى مرآة تعكس اتساع دائرة الحرمان، وعجز غالبية الأسر عن تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
في الأسواق، تتراص السلع الرمضانية على الواجهات دون مشترين. مشهد يختصر المفارقة القاسية: بضائع متوفرة، وجيوب فارغة. الركود يخيّم على الحركة التجارية، والقدرة الشرائية تتآكل تحت وطأة انقطاع الرواتب منذ سنوات، وانهيار العملة، والتضخم المتصاعد. مواسم كانت تضج بالحياة قبيل رمضان، باتت اليوم شاهدة على اقتصاد مشلول أنهكته الجبايات والرسوم غير القانونية.
سكان العاصمة يحمّلون مليشيا الحوثي الارهابية المسؤولية المباشرة عن هذا الانحدار، متهمين إياها بإدارة الموارد العامة بمنطق الجماعة لا بمنطق الدولة، والاستئثار بالإيرادات في مقابل الامتناع عن صرف مرتبات مئات الآلاف من موظفي القطاع العام منذ 2016. ويؤكد موظفون أن غياب الدخل المنتظم لم يترك للأسر هامشاً للتكيف، بل دفعها إلى حافة العجز الكامل.
أنس عبدالحميد محمد، موظف في صنعاء، يقول إن الأسعار “تتصاعد بلا سقف”، مضيفاً أن كثيراً من الأسر لم تعد قادرة على شراء أبسط مكونات المائدة الرمضانية. ويختصر المشهد بالقول إن الفقر “لم يعد استثناءً، بل صار القاعدة”.
وإلى جانب إدارة اقتصاد مأزوم، تتحدث شهادات متطابقة عن حملات جباية متكررة تستهدف التجار وصغار الكسبة تحت مسميات متعددة، في ظل غياب أي شفافية أو رقابة مالية. ناشطون حقوقيون يرون أن هذه الممارسات لا تعمّق الأزمة الاقتصادية فحسب، بل تكرّس نمطاً من الإذلال الاجتماعي، حيث يُدفع المواطن إلى تمويل سلطة تحاصره بالفقر.
في الأحياء الشعبية، انحسرت مظاهر الاستعداد لرمضان إلى أدنى مستوياتها. لا زينة تملأ الشوارع، ولا موائد عامرة كما في الأعوام الماضية. بدل ذلك، تدور نقاشات يومية داخل البيوت حول الأولويات القاسية: هل يُشترى الدقيق أم يُؤمَّن الدواء؟ أمهات يختصرن الوجبات، وآباء يتهربون من أسئلة أطفالهم عن ملابس العيد.
فؤاد المطري، أحد سكان العاصمة، يقول إن “الحياة توقفت منذ دخل الحوثيون صنعاء”، معتبراً أن الأزمات المتلاحقة وغلاء الأسعار “استنزفت ما تبقى من قدرة الناس على الصبر”. ويصف آخرون المشهد بأنه إدارة للأزمة بمنطق القوة، حيث يُقابل التذمر الشعبي بتهديدات وتحذيرات من أي تحرك احتجاجي.
حتى التجار لم يسلموا من الركود والضغوط. محمد الوصابي، تاجر مواد غذائية، يؤكد أن الحركة “شبه مشلولة”، وأن الرسوم غير الرسمية وتكاليف التشغيل المتصاعدة تضعهم بين خيارين أحلاهما مر: الخسارة أو الإغلاق. ويضيف أن “المواطن منهك، والتاجر مهدد، فيما تستمر الجماعة في البحث عن موارد إضافية عبر جيوب المنهكين”.
في المحصلة، يكشف رمضان هذا العام في صنعاء عمق الأزمة التي صنعتها سنوات من الحكم القائم على الجباية وتغييب المؤسسات. وبين سلطة تفرض الأعباء وتضيّق المجال العام، ومجتمع يئن تحت وطأة الفقر، يتقلص الأمل في انفراج قريب. ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: إلى متى يستمر تحويل لقمة المواطن إلى مورد حرب، ورمضان إلى موسم للمعاناة بدل أن يكون موسماً للرحمة والتكافل؟