مصر تطلق "سند المواطن" لتنويع التمويل وخفض تكلفة الدين
شرعت الحكومة المصرية فعلياً في خطواتها الأولى لتنويع مصادر تمويلها وخفض تكلفة الدين عبر إطلاق آلية "سند المواطن"، وهي أداة تسمح للأفراد بالاكتتاب في سندات الخزانة مباشرة عبر مكاتب البريد المصري، بعائد ثابت ومنخفض نسبياً مقارنة بأدوات الدين التقليدية الأخرى.
يرى محللون أن هذا الطرح يمنح وزارة المالية خيارات تمويلية أوسع لسد احتياجاتها، كما أنه يزيد من عدد المقرضين للحكومة، مما يقلل التكلفة الإجمالية للاقتراض، وقد يساهم في إعادة هيكلة سلوك الادخار داخل المجتمع المصري. وتأتي هذه الخطوة ضمن استراتيجية أوسع لإدارة الدين العام وتمديد آجال السداد لتخفيف الأعباء المالية عن الموازنة العامة للدولة.
تاريخياً، كانت أدوات الدين المحلية تُباع للمستثمرين الأفراد عبر بنوك محددة مسبقاً. لكن "سند المواطن" يتيح الاكتتاب المباشر لمن يمتلك حساباً في هيئة البريد المصري. وتستحوذ البنوك التجارية على الحصة الأكبر من أدوات الدين الحكومية، مستخدمة جزءاً كبيراً من ودائع العملاء في الاستثمار بها.
أوضح هاني جنينة، رئيس قسم البحوث بالأهلي فاروس، أن إدخال طرف جديد للمنافسة يمنح وزارة المالية قدرة تفاوضية أكبر مع البنوك التي تطالب بأسعار فائدة مرتفعة على أدوات الدين. وتتفق آية زهير، رئيسة قسم البحوث الاقتصادية بشركة زيلا كابيتال، على أن إشراك الأفراد قد يخفف الضغط التنافسي على السيولة بين الحكومة والبنوك، خاصة إذا كان تسعير السند جذاباً ولكنه أقل من بعض أدوات الادخار المصرفية، مما يخلق قاعدة طلب أوسع ويعزز استقرار السوق.
حددت وزارة المالية عائداً صافياً (بدون ضرائب) لسند المواطن يبلغ حوالي 17.75% لآجال سنة ونصف تُصرف شهرياً، وهو أقل من العائد على آخر سندات طرحتها الوزارة لأجل عامين والتي بلغت حوالي 21.762% تُصرف كل ستة أشهر. وتؤكد هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي في إتش سي، أن هذا الإصدار يمثل تنويعاً بسيطاً ويستغل أي زيادة في السيولة النقدية المتاحة في الاقتصاد.
يشير جنينة إلى أن تنويع مصادر التمويل، سواء محلياً أو دولياً، يصب في مصلحة الحكومة لتقليل تكلفة الاقتراض بزيادة عدد المتنافسين على إقراضها. وتلتهم فوائد الديون حالياً النصيب الأكبر من إيرادات الموازنة المصرية، حيث بلغت نحو 92% من إجمالي الإيرادات في النصف الأول من العام المالي 2025-2026. كما أن طرح سندات بأجل أطول للمواطنين مستقبلاً قد يساهم في تمديد أجل السداد وتخفيف الضغط على الموازنة.
من زاوية أخرى، ترى زهير أن السند، بعائده الثابت والمضمون، قد يجذب عملاء جدداً ويشجع على إبقاء المدخرات بالعملة المحلية بدلاً من التحول إلى الذهب أو الدولار. وتتفق معها منير بأن "سند المواطن" يسهم في التعويض الجزئي عن شهادات الاستثمار ذات العائد المرتفع التي صدرت سابقاً، ويعمل على إعادة هيكلة سلوك الادخار وتقليل حساسية التمويل للصدمات الخارجية لتعزيز الاستقرار المالي المحلي.