مليشيا الحوثي: ذراع إيران التخريبية وتهديد متصاعد لأمن الملاحة الدولية

مليشيا الحوثي: ذراع إيران التخريبية وتهديد متصاعد لأمن الملاحة الدولية
مشاركة الخبر:

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال لجوء إيران إلى تفعيل أذرعها المسلحة في المنطقة، وفي مقدمتها ميليشيا جماعة الحوثي في اليمن، لاستئناف الهجمات على السفن الغربية في البحر الأحمر، في خطوة تعكس إصرار طهران على إدارة صراعاتها عبر الوكلاء، ولو على حساب أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي.

مخاوف استخباراتية من تصعيد مدروس

بحسب ما نقلته صحيفة نيويورك تايمز، أعرب مسؤولون في أجهزة الاستخبارات ومكافحة الإرهاب عن قلق متنامٍ من أن إيران قد تعمد إلى تحريك وكلائها لرفع كلفة أي تحرك عسكري أمريكي محتمل ضدها. وأوضح كولين كلارك، المدير التنفيذي لمركز صوفان للاستشارات والاستخبارات، أن طهران “يمكن أن تعمل من خلال وكلائها لتنفيذ هجمات إرهابية بهدف رفع التكاليف المترتبة على أي حملة عسكرية أمريكية محتملة”.

هذه القراءة تعكس نمطاً ثابتاً في سلوك النظام الإيراني، الذي يتجنب المواجهة المباشرة ويفضل الاستثمار في جماعات مسلحة عابرة للحدود، تتولى تنفيذ أجندته التخريبية. وفي هذا السياق، برزت ميليشيا الحوثي كأداة جاهزة لزعزعة أمن الملاحة في البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية العالمية.

الحوثيون: مشروع فوضى عابر للحدود

منذ اندلاع الحرب في اليمن، تحولت جماعة الحوثي من حركة تمرد محلية إلى قوة عسكرية مرتبطة عضوياً بطهران، تستثمر في الخطاب الطائفي وتستخدم الصواريخ والطائرات المسيّرة لاستهداف جيران اليمن وممراته البحرية. واستهداف السفن التجارية لا يمثل فقط عملاً عدائياً ضد دول بعينها، بل تهديداً مباشراً للاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد.

إن عودة الهجمات على السفن الغربية في البحر الأحمر لن تكون مجرد رسالة سياسية، بل تصعيد خطير يهدد أمن الطاقة والتجارة الدولية، ويضع المنطقة أمام احتمالات مواجهة أوسع. فالمليشيا التي ترفع شعارات “الموت لأمريكا” و”الموت لإسرائيل” لا تتردد في تعريض ملايين المدنيين حول العالم لمخاطر اقتصادية وأمنية جسيمة خدمةً لحسابات إقليمية ضيقة.

“محور المقاومة” بين الانكماش والمناورة

في تقييم آخر، أشار ويليام ويشسلر، المدير البارز لبرامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، إلى أن ما يُعرف بـ“محور المقاومة” الذي تقوده إيران قد تقلص بالقرب من إسرائيل بعد الضربات التي طالت حلفاء طهران مثل حزب الله وحماس، إضافة إلى النظام السوري. غير أن هذا المحور لا يزال قادراً على العمل في مناطق أبعد، مثل اليمن والعراق، محتفظاً بأهمية استراتيجية.

وهنا تكمن الخطورة: فبينما قد تتراجع قدرات بعض الوكلاء في ساحة معينة، يجري تعويض ذلك بتفعيل جبهات أخرى أقل كلفة سياسياً لإيران وأكثر إرباكاً لخصومها. ويبدو أن البحر الأحمر بات إحدى هذه الساحات المفتوحة للمساومة والضغط.

حسابات الغموض والتصعيد

تضيف التقارير أن الغموض المحيط بأهداف الإدارة الأمريكية المقبلة، سواء اقتصرت على ضربات محدودة أو اتجهت نحو استراتيجية أوسع ضد القيادة الإيرانية، قد يدفع طهران إلى اعتبار أي تحرك أمريكي تهديداً وجودياً. وفي ظل هذا الإدراك، يصبح تحريك الحوثيين وغيرهم من الوكلاء خياراً “وقائياً” من وجهة نظر النظام الإيراني، حتى لو كان الثمن إشعال المنطقة.

كما يساور القلق الأوروبي احتمال تنشيط خلايا نائمة تابعة لـحزب الله أو حتى عناصر مرتبطة بـتنظيم القاعدة لاستهداف مصالح أمريكية. وأكد مسؤول أمريكي رفيع أن المحللين يراقبون “كما كبيرا” من الأنشطة والتخطيط، دون وضوح كامل بشأن التوقيت أو الدوافع النهائية.

تهديد متعدد الجبهات

تتزامن هذه المخاوف مع تحذيرات من احتمال تنفيذ تنظيم القاعدة لهجمات واسعة في أوروبا، سعياً لاستعادة حضوره الإعلامي وجذب أنصار جدد. ما يعني أن المشهد الأمني لا يقتصر على تحركات الحوثيين وحدهم، بل يشمل شبكة معقدة من التهديدات المتداخلة، تتغذى على الفوضى الإقليمية.

غير أن الدور الذي تلعبه ميليشيا الحوثي يظل بالغ الخطورة، لأنها تتحرك من موقع جغرافي استراتيجي يتحكم بأحد أهم الممرات البحرية في العالم. وأي تصعيد من جانبها لا يمثل فقط مغامرة عسكرية، بل مقامرة بأمن المنطقة والعالم.

خلاصة

إن ميليشيا الحوثي لم تعد مجرد فاعل محلي في حرب أهلية، بل تحولت إلى أداة ضغط إيرانية عابرة للحدود، تضرب الاستقرار الإقليمي في صميمه. واستمرارها في استهداف الملاحة الدولية يكشف طبيعة مشروعها القائم على الابتزاز والفوضى، ويؤكد أن مواجهتها لم تعد شأناً يمنياً داخلياً فحسب، بل ضرورة لحماية الأمن الدولي ومنع انزلاق المنطقة إلى صراع أوسع لا تُحمد عقباه.