27 فبراير علامة فارقة في تاريخ اليمن.. علي عبدالله صالح… حين انتصرت الحكمة على القوة

  • خاص خاص
  • منذ ساعة
  •    
27 فبراير علامة فارقة في تاريخ اليمن.. علي عبدالله صالح… حين انتصرت الحكمة على القوة
مشاركة الخبر:

في منعطفات التاريخ، تقف بعض الأيام كأنها شواهد صامتة على تحولات كبرى لا يبهت أثرها مهما تعاقبت الأعوام.

ويأتي السابع والعشرون من فبراير حاملاً في ذاكرة اليمنيين صورة مشهد سياسي استثنائي، طُويت فيه صفحة بيضاء ناصعة وفُتحت أخرى سوداء قاتمة، وسط رياح عاتية عصفت بالبلاد منذ اندلاع الربيع العربي عام 2011، الذي غيّر ملامح المشهد السياسي والاجتماعي، وأدخل اليمن في مرحلة مضطربة لا تزال تداعياتها حاضرة حتى اليوم.

فبعد سنوات من فوضى الربيع العربي وما رافقه من انقسامات وتوترات، يستعيد اليمنيون محطة مفصلية في تاريخهم السياسي الحديث، تمثلت في انتقال السلطة سلمياً عبر الآلية الانتخابية، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الجمهورية اليمنية.

في مثل هذا اليوم من العام 2012، سلّم الرئيس الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح السلطة إلى خلفه عبدربه منصور هادي، بعد انتخابات رئاسية أُجريت في 21 فبراير من العام ذاته، جرى فيها اختيار هادي مرشحاً توافقياً.

مثّل ذلك الحدث محطة فارقة في مسار التداول السلمي للسلطة في اليمن، ورسالة سياسية مفادها أن الاحتكام للصندوق يمكن أن يكون مخرجاً من أزمات كبرى.

جاء انتقال السلطة في ظرف بالغ التعقيد، حيث كانت البلاد تمر بحالة انقسام سياسي وأمني، وتواجه تحديات داخلية وضغوطاً خارجية. ومع ذلك، تمت عملية التسليم بصورة رسمية، في مشهد عُدّ آنذاك تتويجاً لمسار سياسي هدف إلى تجنيب البلاد الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

القرار الذي اتخذه الرئيس علي عبدالله صالح بتسليم السلطة عكس قناعة بأن الحفاظ على وحدة البلاد وحقن الدماء أولى من التمسك بالمنصب، خصوصاً في ظل امتلاكه أدوات القوة السياسية والعسكرية آنذاك. تلك اللحظة جسّدت نهجاً ديمقراطياً تأسس منذ قيام الجمهورية اليمنية في 22 مايو 1990، وترسّخ عبر التعددية السياسية والانتخابات، وصولاً إلى أول عملية انتقال سلمي للسلطة في تاريخ البلاد.

لم يكن هذا مجرد انتقال رمزي للسلطة، بل كان اختباراً حقيقياً لمبدأ الديمقراطية في اليمن، الذي جاء ثمرة سنوات من النضال السياسي والتجربة التاريخية الطويلة.

كان مشهد تسليم السلطة مليئاً بالدلالات: دولة لم تنهَر رغم الصعاب، قيادة اختارت السلام على القوة، ومسار سياسي أصرّ على أن تبقى الدماء اليمنية مصانة. فالزعيم صالح، رغم امتلاكه أدوات السلطة، لم يختر طريق الصراع أو فرض الإرادة بالقوة، بل اختار الاحتكام إلى صندوق الاقتراع، ليكون بذلك نموذجاً فريداً في المنطقة، حيث تختلط السياسة بالحكمة، والطموح الوطني بالمسؤولية الأخلاقية.

غير أن السنوات التي تلت ذلك اليوم حملت تطورات متسارعة، دخلت معها البلاد في مرحلة أكثر تعقيداً، وانفجرت صراعات متعددة المستويات، سياسية وعسكرية، ألقت بظلالها الثقيلة على الواقع اليمني.

اليوم، وبعد مرور أربعة عشر عاماً على 27 فبراير 2012، يعود هذا التاريخ إلى الواجهة بوصفه محطة استثنائية في تاريخ اليمن الحديث؛ يوم اختير فيه المسار الانتخابي طريقاً لنقل السلطة، في ظل عاصفة سياسية إقليمية جارفة.

ومع مرور الأعوام، يظل السابع والعشرون من فبراير علامة فارقة في الذاكرة الوطنية، ليس فقط لأنه يوم نُقلت فيه السلطة، بل لأنه يوم أكد فيه اليمنيون أن الديمقراطية والتعددية السياسية ليستا شعارات، بل ممارسة حقيقية، وأن احترام إرادة الشعب يتجاوز أي حسابات شخصية أو مصالح ضيقة.

وبين التقييم السياسي والقراءة التاريخية، يظل ذلك اليوم حاضراً في الذاكرة الوطنية، باعتباره تجربة فريدة في سياق مضطرب، وشاهداً على مرحلة حاول فيها اليمن أن يعبر أزمته عبر صندوق الاقتراع، لا عبر فوهة البندقية.