تداعيات التصعيد الإيراني: أوروبا تواجه ضغوطاً اقتصادية وأمنية متزايدة

تداعيات التصعيد الإيراني: أوروبا تواجه ضغوطاً اقتصادية وأمنية متزايدة
مشاركة الخبر:

كشفت التوترات الجيوسياسية الأخيرة، لا سيما ما يتعلق بإيران، عن هشاشة متنامية في المشهد الاقتصادي الأوروبي، حيث تشكل تكاليف الطاقة المتصاعدة تحدياً ملحاً لقادة الاتحاد الأوروبي قبيل اجتماعاتهم المرتقبة، في ظل تضاعف سعر الغاز الطبيعي الأوروبي مقارنة بأدنى مستوياته الأخيرة.

يعرب القادة عن قلقهم العميق إزاء تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على القطاع التجاري، ويميلون حالياً نحو تبني حلول قصيرة الأجل، وهو ما يهدد بترسيخ نقاط الضعف الهيكلية للتكتل بدلاً من معالجتها. وتأتي هذه المخاوف في وقتٍ بلغت فيه مستويات تخزين الغاز تحت الأرض في الاتحاد الأوروبي 36% فقط بحلول 9 فبراير، وهو أدنى مستوى مسجل لهذا التاريخ منذ شتاء 2021-2022، بالتزامن مع بلوغ خطر المواجهة العسكرية في المنطقة ذروته.

أوضح ريان رسول، باحث في الشؤون الاقتصادية الأوروبية، أن تأثر أوروبا بالصراعات في الشرق الأوسط يعكس الترابط الاقتصادي والجغرافي العميق، مشيراً إلى أن الأزمة تحولت من مجرد أزمة طاقة إلى ضغط شامل يمس أمن القارة واقتصادها ونسيجها الاجتماعي. وأكد أن الغاز والنفط هما المحركان الرئيسيان للتأثير، حيث تستمر سلاسل الإمداد في التأثر بالتوترات المستمرة في مضيقي باب المندب وهرمز، مما ينعكس فوراً على مؤشرات أسعار المستهلك ويعرقل جهود البنك المركزي الأوروبي لخفض أسعار الفائدة.

تؤكد البيانات اللوجستية هذا التحدي؛ إذ ارتفعت تكلفة شحن البضائع جواً من آسيا إلى أوروبا بنسبة 45% منذ بدء التصعيد، متجاوزة الضعف مقارنة بالزيادة المسجلة للشحن المتجه إلى الولايات المتحدة، وفقاً لرايان بيترسن، الرئيس التنفيذي لشركة فليكس بورت. وشدد موريس أوبستفيلد، كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي، على أن اعتماد أوروبا الشديد على واردات الطاقة يجعلها أكثر عرضة للتداعيات الاقتصادية الكلية السلبية للصراعات الإيرانية، بالإضافة إلى قربها الجغرافي من مناطق النزاع.

إلى جانب التداعيات الاقتصادية المباشرة، حذر رسول من أن النزاعات قد تؤدي إلى تدفقات لجوء إضافية نحو أوروبا، مما يضع ضغطاً هائلاً على البنية التحتية ويزيد من حدة الاستقطاب السياسي وصعود التيارات الشعبوية. ومع توقف إنتاج قطر للطاقة من الغاز الطبيعي المسال عقب الهجمات، قد يضطر المستهلكون الأوروبيون والآسيويون إلى الدخول في "حرب مزايدة" على الإمدادات المتاحة، كما ذكرت شركة تي إس لومبارد.

في ظل هذه المعطيات، تجد أوروبا نفسها في موقف المتفرج القلق، حيث تفتقر إلى قوة عسكرية موحدة وتعتمد دبلوماسيتها بشكل كبير على التنسيق مع واشنطن، مما يجعل أمنها رهينة للقرارات الخارجية. وللخروج من هذا المأزق، يرى الخبراء ضرورة تنويع مصادر الطاقة عبر تعزيز الاعتماد على الغاز النرويجي والجزائري وتوسيع محطات استقبال الغاز المسال من الولايات المتحدة ونيجيريا، مع تسريع التحول المستقبلي نحو الهيدروجين الأخضر. كما تُعد مسألة الاستقلال الاستراتيجي العسكري وبناء قوة دفاع أوروبية قادرة على حماية الممرات التجارية دون الاعتماد الكلي على الأسطول الأمريكي، جانباً حيوياً يتطلب تغييراً جذرياً.