حين تغيب الدولة يحضر الانقسام… اليمن يبحث عن رئيس يجمع لا يفرّق
اليمن لا يحتاج رئيسًا “جنوبيًا” أو “شماليًا”، بل يحتاج رئيسًا يمنيًا حقيقيًا، يحمل في وعيه معنى الدولة قبل الجغرافيا، ومعنى المسؤولية قبل الانتماء الضيق. فالمعضلة التي أنهكت اليمن لم تكن يومًا في هوية الرئيس المناطقية، بقدر ما كانت في غياب المشروع الوطني الجامع، وفي تغليب الولاءات الصغيرة على حساب فكرة الوطن الكبير.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن تقسيم الحلول على أساس جهوي لا ينتج إلا مزيدًا من الانقسام، وأن استبدال مركز نفوذ بآخر لا يغيّر من جوهر الأزمة شيئًا. فاليمن، بتاريخها العميق وتركيبتها الاجتماعية المعقدة، لا يمكن أن تُدار بعقلية المحاصصة أو بردود الفعل، بل تحتاج إلى قيادة تدرك أن الدولة لا تُبنى بالتوازنات المؤقتة، وإنما بالعدالة، وسيادة القانون، واستعادة الثقة بين الحاكم والمحكوم.
الرئيس الذي يحتاجه اليمن ليس عنوانًا جغرافيًا، بل مشروعًا سياسيًا وأخلاقيًا. رئيسٌ قادر على تجاوز إرث الصراعات، وعلى تفكيك منظومات الفساد، وعلى إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع. رئيسٌ لا يستمد شرعيته من منطق الغلبة، ولا من دعم الخارج، بل من قدرته على توحيد اليمنيين حول هدف مشترك: استعادة الدولة.
إن اختزال الأزمة في “شمالي” و“جنوبي” هو تبسيط مخلّ، بل وخطير، لأنه يعيد إنتاج نفس الشروط التي قادت إلى الانهيار. فالقضية ليست من أين يأتي الرئيس، بل كيف يفكر، وكيف يحكم، ولمن يعمل. اليمن لا يحتاج رئيسًا يمثل منطقة، بل رئيسًا يمثل فكرة الدولة.
وفي لحظة تاريخية تتكاثر فيها التحديات، من الانقلاب إلى التدخلات الخارجية، يصبح الرهان الحقيقي على القيادة التي تستطيع أن توازن بين الحزم والحكمة، بين القوة والسياسة، بين استعادة الأرض وبناء المؤسسات. قيادة تعيد لليمن موقعه الطبيعي، لا كساحة صراع، بل كدولة ذات سيادة.
اليمن اليوم أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في تدوير نفس الأزمات بأدوات جديدة، أو الانتقال إلى مرحلة مختلفة، عنوانها الكفاءة والوطنية. وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن “رئيس يمني حقيقي” ليس شعارًا، بل ضرورة وجودية لإنقاذ ما تبقى، وبناء ما يجب أن يكون.