انفجار صامت في الجوف .. صراع النفوذ يمزق المؤسسة العسكرية ويكشف فجوات السلطة
تتسارع وتيرة الاضطراب داخل المؤسسة العسكرية في محافظة الجوف، في مشهد يعكس حجم التجاذبات التي تمارسها القوى الحزبية، وسط تساؤلات حادة حول دور الحكومة الشرعية التي تبدو عاجزة عن احتواء هذا التدهور أو وضع حد للتدخلات الحزبية.
كشفت الاستقالة الجماعية لعدد من قادة الكتائب في أحد ألوية حرس الحدود عن أزمة عميقة تتجاوز الخلافات الإدارية، لتفضح واقعاً من الإزاحة الممنهجة للكفاءات، واستبدالها بعناصر تعتمد الولاء الحزبي، مفتقرة إلى الخبرة الميدانية المطلوبة.
مصادر عسكرية أكدت أن الضباط المستقيلين دُفعوا للقرار نتيجة سياسات تضييق متعمدة، هدفت لتفريغ اللواء من قياداته المهنية لصالح شخصيات مرتبطة بأجندات ضيقة، في خطوة تعكس إصراراً على تحويل الجيش إلى أداة تخدم مصالح تنظيمية.
أثارت هذه التطورات غضباً واسعاً في الأوساط القبلية، حيث اعتُبر ما يحدث تقويضاً لتضحيات المقاتلين، خاصة في ظل ظروف تتطلب أعلى درجات الانضباط والاحترافية، بعيداً عن حسابات المحاصصة والولاءات السياسية المشبوهة.
شدد مراقبون على أن الحكومة الشرعية تتحمل المسؤولية الكاملة، نتيجة تغاضيها المستمر عن تغلغل التيارات الحزبية داخل مفاصل الجيش، ومنحها غطاءً يسمح بإعادة تشكيل المؤسسة العسكرية وفق رؤى إيديولوجية تخدم أطرافاً بعينها.
إن ما يجري في الجوف ليس حالة معزولة، بل جزء من نمط متكرر يهدف لإحكام السيطرة على القرار العسكري، مما يؤدي لإضعاف الجبهات، وزرع بذور الانقسام، وإجهاض أي فرصة حقيقية لبناء جيش وطني موحد العقيدة والهدف.
يكمن الخطر في أن هذه السياسات تؤدي لانهيار الثقة بين القيادة والجنود، وتخلق بيئة خصبة للفوضى، وهو ما قد تستغله القوى المعادية لتعزيز مكاسبها على الأرض واختراق الصفوف التي أضعفتها النزاعات الداخلية.
تتعالى الأصوات المطالبة بوقف هذا العبث فوراً، وإعادة الاعتبار لمبدأ الكفاءة، محذرة من أن استمرار الوضع الحالي سيقود إلى انهيار شامل يطال بنية الدولة السياسية والعسكرية على حد سواء.
يبقى السؤال الجوهري قائماً: إلى متى سيظل الجيش رهينة للمشاريع الحزبية؟ ومتى سيتم تحرير المؤسسة العسكرية لتكون عموداً للدولة لا أداة لتصفية الحسابات؟