تعز بين رصاصتين: قنص الحوثي وعبث الإخوان في خاصرة المدينة

منذ ساعتين
مشاركة الخبر:

في المدن التي أنهكتها الحروب، لا تعود المأساة مجرد أرقام تُحصى، بل تتحول إلى اتجاهات تُقرأ. في تعز، لم يعد السؤال: كم قُتل؟ بل: من يقتل؟ ولماذا؟ ومن المستفيد من استمرار هذا النزيف المفتوح؟ أسئلة تتردد في الفراغ، لكنها في الحقيقة تصرخ في وجه صمتٍ ثقيل، صمتٍ لا يقل قسوة عن الرصاص.

الرصاصة التي أنهت حياة الطفل إبراهيم جلال لم تكن مجرد فعل قنص حوثي عابر، بل كانت رسالة متكررة، مكتوبة بدم الأبرياء، تقول إن هذه المدينة تُترك عمدًا في مرمى النار. مليشيا الحوثي الإرهابية لا تخفي عداءها، ولا تتردد في استهداف المدارس والأحياء السكنية، وتمارس القنص كسياسة، وكأن المدنيين جزء من بنك أهدافها اليومي. هذه حقيقة واضحة، لا لبس فيها، ومع كل ضحية جديدة تتعمق جراح لا تندمل.

لكن المأساة في تعز لا تقف عند هذا الحد. فبينما يأتي الخطر من الخارج مكشوفًا، يتسلل الخطر الآخر من الداخل مموهًا، متدثرًا بشعارات الشرعية والتحرير. هنا تبدأ القصة الأكثر تعقيدًا… والأكثر إيلامًا. إذ يصبح الخوف متعدد الوجوه، ويغدو الأمان حلماً مؤجلاً لا يجد طريقه إلى الواقع.

اغتيال الشاب أسامة حسن في مدينة تعز، وفي وضح النهار، على يد مسلح ملثم محسوب على جماعة الإخوان المسلمين، ليس حادثًا منفصلًا، بل حلقة في سلسلة طويلة من العنف الداخلي الذي ينهش جسد المدينة. قبله سقط عبدالصمد القاضي وعدنان الحمادي وافتهان المشهري، وغيرهم كثير، في مشهد يتكرر بلا مساءلة حقيقية، وكأن الدم في تعز أصبح بلا كلفة. هكذا تتآكل الثقة، ويتحول العنف إلى واقعٍ يومي يتجرعه الناس بصمتٍ مرير.

السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو، ماذا يريد الإخوان في تعز؟

هل هو صراع نفوذ؟ أم محاولة احتكار القرار العسكري والأمني؟ أم أن الأمر تجاوز ذلك إلى ما هو أخطر: إعادة تشكيل المدينة وفق مصالح تنظيمية ضيقة، حتى لو كان الثمن تفكيكها بالكامل؟ أسئلة لا تبحث عن إجابة بقدر ما تكشف حجم القلق الذي يثقل كاهل المدينة وأهلها.

المؤشرات لا تطمئن. فمن المكلا إلى باب المندب، يظهر توتر واضح في سلوك الجماعة تجاه كل شركائها، لا سيما أولئك الذين شاركوا فعليًا في مواجهة الحوثي. الإمارات كانت هدفًا لحملات ممنهجة رغم دورها في كبح التمدد الحوثي، واليوم تتكرر النبرة ذاتها تجاه أطراف أخرى في صف الشرعية، في وقت يفترض فيه أن تتوحد الجهود لا أن تتشظى. وكأن المعركة تُدار أحيانًا بعقلية تنازع لا بعقلية إنقاذ وطن.

وفي تعز تحديدًا، تبدو الأولويات مقلوبة بشكل صارخ. جبهات الحوثي مجمدة منذ سنوات، بينما تُفتح معارك جانبية داخل المناطق المحررة، تُستنزف فيها الطاقات، وتُصفى الحسابات، ويُعاد رسم النفوذ بالقوة. مشهد يبعث على الدهشة والأسى معًا، إذ يتحول العدو الحقيقي إلى ظل بعيد، بينما يصبح الاقتتال الداخلي هو العنوان الأبرز.

خذوا مثال الوازعية: حادثة جنائية، مهما كانت خطورتها، تُضخم إعلاميًا من قبل الإخوان المسلمين إلى حد النفير العام، وتُقدَّم كقضية وجود، بينما القنص الحوثي اليومي يُقابل بخطاب بارد، أقرب إلى التبرير منه إلى الغضب. هنا لا يعود الخلل في السلاح، بل في البوصلة، في المعايير التي تُقاس بها قيمة الدم، وفي الانتقائية التي تفرغ العدالة من معناها.

الأخطر من ذلك، ما كشفته تقارير عن ارتباط بعض العناصر المدعومة إخوانيًا بشبكات تهريب سلاح تمتد إلى مناطق سيطرة مليشيا الحوثي. إن صحّ هذا، فنحن لا نتحدث عن تنافس سياسي، بل عن تداخل مصالح يصل حد التخادم غير المباشر، حيث يلتقي مشروع الفوضى مع مشروع الانقلاب عند نقطة واحدة: إضعاف الدولة وإطالة أمد الصراع. وهنا يصبح الخطر مضاعفًا، لأن العدو لم يعد واحدًا، بل متعدد الوجوه.

الدفاع المستميت عن عناصر متورطة في القتل والاختطاف والتقطع، وتحويل ملاحقتها إلى “مظلومية سياسية”، ليس مجرد تضليل إعلامي، بل محاولة لحماية منظومة كاملة من الفوضى المنظمة. وهذا ما يفسر تلك “الحفلة الصاخبة” من الصراخ الإعلامي كلما اقتربت يد القانون من أحد هذه التشكيلات. إنها معركة على الوعي قبل أن تكون على الأرض، معركة لتزييف الحقيقة وتغليف الجريمة بشعارات براقة.

تعز اليوم عالقة بين رصاصتين: رصاصة الحوثي، واضحة، مباشرة، لا تخفي نيتها. ورصاصة العبث الإخواني، أكثر خطورة، لأنها تأتي من الخلف، وتُطلق باسم الشرعية. وبين هاتين الرصاصتين، ينزف الوطن ببطء، وتتآكل أحلام الناس في حياة آمنة وكريمة.

وبينهما، يقف المواطن وحيدًا، بلا حماية حقيقية، يدفع ثمن صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل. يسير في شوارع يعرف أن الموت قد يختبئ في أي زاوية، ويقاوم فقط ليبقى على قيد الحياة، لا ليحيا فعلاً.

ليست المشكلة في أن تعز تُحارب، بل في كيف تُدار هذه الحرب. فحين يتحول الصراع إلى وسيلة لتصفية الخصوم بدل هزيمة العدو، وحين يُستخدم الأمن كأداة نفوذ بدل أن يكون مظلة للجميع، فإن النتيجة الطبيعية هي ما نراه اليوم: مدينة تُستنزف ببطء، وتفقد ما تبقى من مناعتها، حتى تغدو مجرد مساحة مفتوحة لكل الاحتمالات المؤلمة.

حقيقة، تعز لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى إعادة تعريف واضحة للعدو، وترتيب حقيقي للأولويات. فالمعركة التي لا تُحسم ضد مليشيا الحوثي، ستُحسم ضد الجميع… ولكن بعد فوات الأوان. وعندها، لن يبقى هناك من يصفق أو يبرر، بل مدينة تلتفت حول نفسها، تبحث عما تبقى منها فلا تجد إلا الرماد.

وفي النهاية، ربما أخطر ما تواجهه تعز ليس القناص الذي يختبئ خلف التلال، لكنهم أولئك الذين يختبئون خلف الخطاب، ويُبقون المدينة رهينة لصراعاتهم، بينما الدم يسيل بصمت. لأن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في من يطلق النار، لكنه يكمن في من يبررها، ويُطيل عمرها، ويمنحها شرعية الاستمرار.