عبد الرحمن الحداد.. الأناقة الفنية التي لا تشيخ
بينما كانت آمال المحبين تترقب «ميعادًا جديدًا» يجمعهم بصوته الرخيم، اختار القدر أن يكون اللقاء الأخير في القاهرة، حيث ودعت الساحة الفنية والإعلامية اليمنية والعربية، يوم الثلاثاء، القامة الإبداعية السامقة، الفنان والإعلامي القدير عبد الرحمن الحداد، الذي ترجل عن صهوة الحياة بعد صراع مرير مع المرض، مسدلًا الستار على مسيرة من العطاء امتدت لأكثر من ستة عقود.
لم يكن الراحل مجرد صوت في فضاء الأغنية، بل كان تجسيدًا للفنان المثقف الذي أدرك مبكرًا أن الفن رسالة وهوية. فمنذ ولادته في مدينة المكلا عام 1950، وصولًا إلى دراسته للغة العربية في العراق مطلع السبعينيات، تشكلت شخصيته كأديب يرتدي حلة الطرب.
هذه الخلفية الثقافية الرصينة هي التي منحت ظهوره الإعلامي في «تلفزيون عدن» ثم «صنعاء» هيبةً ووقارًا، وهي ذاتها التي جعلت من «الحداد» فنانًا مجددًا لا يفرط في الأصالة، حيث أعاد صياغة التراث الغنائي الحضرمي والصنعاني بقوالب موسيقية حديثة، تنفست بروح العصر دون أن تفقد عبق الجذور.
ارتبط اسم الحداد بعلاقات فنية خاصة شكلت ملامح وجدانه، لعل أبرزها ثنائيته مع عملاق الكلمة واللحن الشاعر حسين أبوبكر المحضار، ذلك التناغم الذي أنتج روائع عاطفية ووطنية ستظل محفورة في ذاكرة الأجيال. كما لم يقف إبداعه عند حدود اللون الحضرمي، بل أبحر في مختلف ألوان الغناء اليمني، متعاونًا مع رموز الفن والشعر، مبرهنًا على قدرة فائقة في ترويض النغم بمختلف مشاربه.
ولأن المواعيد كانت تيمةً حاضرة في أجمل تجلياته، فمن «على ميعاد» التي صاغها الشاعر عبد القادر الكاف، إلى «تأجل الميعاد» و«يا محلى اللقاء حتى بلا ميعاد»، ظل الحداد يغني للوقت واللقاء، حتى صار صوته هو الميعاد الذي ينتظره عشاق الطرب النبيل.
في سنواته الأخيرة، ورغم وطأة المرض ومرارة الاغتراب، ظل قلب الحداد معلقًا بتراب الوطن، ولم يكن غيابه عن الساحة إلا «تعطيلًا قسريًا» فرضته ظروف الحرب، كما صرّح في لقاءات صحفية سابقة. تجلى ذلك الوفاء في آخر أعماله «مهما وصفتك»، التي غناها لليمن الجريح بلمسة حزن ممزوجة بالأمل، قائلًا: «تستاهلين الحب من قلبي وروحي والضمير.. باعود لك يا منيتي حتى ولو طال المسير».
رحل عبد الرحمن الحداد وفي قلبه حسرة البعد عن «حي السلام» في المكلا التي تغنى بها «لو بايقع لي مرادي بسكن بحي السلام»، لكنه غادر وهو يحمل وسام الفنون والآداب من الدرجة الأولى (1989)، وتقديرًا شعبيًا يفوق كل الأوسمة. وترك خلفه مكتبة ثرية تضم أغنيات خالدة مثل «يا لاقي الضايعة» و«حرام عليك تقفل الشباك» و«ما فات مات» و«يا أبو شامة» و«عاد الهوى» و«ساكن سواد العين» وغيرها من الأعمال التي لا تموت بموت صاحبها، بل تظل منارات للجيل الجديد من الفنانين الشباب الذين كان الراحل يؤمن بهم ويحثهم على شق طريقهم رغم ركام الحروب.
سيبقى في ذاكرة الوطن الذي أحبه الحداد حتى الرمق الأخير، تاركًا إرثًا إنسانيًا وفنيًا رفيعًا، ودرسًا في الأناقة الفنية التي لا تشيخ.
رحم الله الفقيد الكبير، وأسكنه فسيح جناته.