حضرموت.. بين الاستحقاق ومتلازمة الإقصاء
يبدو أنَّ هناك «متلازمة سياسية» حادة استوطنت عقول البعض، لا تظهر أعراضها التحسسية إلا حين يرتفع صوتُ الحضارم مطالبًا باستعادة «القرار» وتحسين «الخدمات».. وهذه المسألة لا تقتصر على أزمة كهرباء أو نقص في الموارد فحسب، بل هي انعكاس لعقيدة إقصائية عجزت عن استيعاب حقيقة أن حضرموت قررت نفض غبار التبعية، وكسر أغلال المركزية المتغوّلة التي استمرأت الهيمنة لعقود.
المشهد اليوم تجاوز حدود المطالب الخدمية؛ فنحن أمام حراك وجودي لانتزاع شراكة عادلة تليق بوزن الجغرافيا وعراقة التاريخ، وهي شراكة لا تهدف للإقصاء أو الاستئثار، بل تسعى لترسيخ شراكة وطنية حقيقية تضمن لكل ذي حق حقه تحت سقف العدالة والمواطنة المتساوية.. والمفارقة هنا، أنه في الوقت الذي أدرك فيه «مجلس القيادة الرئاسي» شرعية حراك الحضارم وأقر مصفوفة يناير 2025م، خرجت الأفاعي من جحورها، وارتفعت الأصوات النشاز لتؤدي دور «الطابور الخامس»؛ في محاولة بائسة لوأد هذه المطالب المشروعة، وتفتيت الجبهة الداخلية، وتشويه الرموز الحضرمية التي تبنت هذه المطالب.
من الغريب أن تستكثر مراكز النفوذ محطة كهربائية بقدرة «500 ميجاوات» على جغرافيا تمثل ثلث مساحة البلاد وترفد خزينة الدولة بـ 70% من مواردها! بل والأدهى أن يتحول هذا المطلب الخدمي المستحق إلى مادة للاستهزاء على ألسنة السفهاء، رغم أنه مطلب عام لا يختص بفئة دون أخرى.. وربما لا يدرك هؤلاء المغفلون أن مدن دول الجوار تُضاء بآلاف الميجاوات كحق طبيعي، استجابةً للطلب المتزايد على الطاقة لتسيير كافة أوجه الحياة.. ولكن في عُرف هؤلاء، يُراد لحضرموت أن تظل كـ «مخزن» للثروة ومنبع للإيرادات، بينما يُحرم أهلها من أدنى مقومات الحياة، أو حتى من أن يكونوا فوق أرضهم أقوياء.
إن ما يتخرص به هؤلاء الحمقى من بخس واحتقار لحق حضرموت، والتقليل من شأنها، والإساءة لرموزها الرافعة لمطالبها، ليس محض جهل أو غباء، بل هو «برمجة سياسية ملوثة» تهدف لإبقاء حضرموت تحت سقف الحاجة والوصاية الدائمة. وبصريح العبارة، فإن من يحرك هذه الأدوات «المأجورة» يخشى تحول حضرموت إلى «رقم سياسي» لا يمكن يتجاوزه في أي تسوية قادمة، ويخشى أكثر من امتلاكها لقرارها المستقل الذي سيضع حدًا نهائيًا لسنوات الاستنزاف والتبعية.