مفاوضات تحت الحصار وطبول الحرب
وزارة الحرب الأمريكية تتحرك نحو رفع مستوى الاستعداد الحربي والجهوزية العسكرية، ففي خطوة جديدة تكشف صحيفة The Wall Street Journal عن اتصالات يجريها البنتاغون مع شركات متعاقدة وأخرى مدنية لرفع قدرات الإنتاج، وهو تحرك يأتي في سياق معطيات مركبة تتعلق بحجم استنزاف المخزونات العسكرية خلال الحربين في أوكرانيا ومع إيران، إلى جانب خطة توسعة ترتبط أساساً بتحول في العقيدة الصناعية العسكرية الأمريكية نحو اقتصاد حرب ممتد، وليس مجرد استجابة ظرفية، كما يتقاطع ذلك مع خطاب سياسي وإعلامي يتحدث عن إعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية الأمريكية، بما يعكس انتقالاً من مفهوم الردع إلى مفهوم الاستعداد لصراع طويل متعدد المسارح.
ومن بين الشركات التي تلقت هذه الاتصالات تبرز General Electric، التي تمتلك فرعاً متخصصاً في إنتاج أنظمة الدفع النفاثة للمقاتلات الأمريكية وتوربينات السفن الحربية، إلى جانب شركة Oshkosh Corporation المتخصصة في صناعة الشاحنات والعربات العسكرية التكتيكية والآليات الحربية ومنصات إطلاق الصواريخ، كما سبق للبنتاغون أن أعلن أواخر مارس الماضي عن إبرام اتفاقية مع Lockheed Martin لتسريع إنتاج صواريخ دقيقة استخدمت لأول مرة خلال الحرب مع إيران، وهو ما يعكس توجهاً واضحاً نحو تعويض الاستهلاك المرتفع للذخائر، وإعادة بناء المخزون الاستراتيجي بوتيرة متسارعة، بالتوازي مع توسيع قاعدة الإنتاج لتشمل شركات تكنولوجية وصناعية مدنية، في استحضار لنماذج التعبئة الصناعية التي شهدتها الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية.
ومن جانب آخر، يبرز السؤال الجوهري حول قدرة إيران على مواجهة الحصار البحري الأمريكي في مضيق هرمز، ومدى قدرتها النفطية والاقتصادية على تحمل كلفة هذا السيناريو، خصوصاً في ظل بنية اقتصادية هشة تعاني من اختلالات عميقة وتبعية شبه كاملة للممرات البحرية.
بناءً على التحليل الاقتصادي والعسكري الحديث، فإن قدرة إيران على مواجهة هذا الحصار تبدو محدودة للغاية من الناحية الهيكلية، على الرغم من تحقيقها مكاسب تكتيكية قصيرة الأمد خلال المراحل الأولى من التصعيد، إذ تكمن نقطة الضعف القاتلة في اعتمادها شبه الكامل على المضيق، حيث تمر أكثر من تسعين بالمائة من تجارتها البحرية، بما في ذلك صادرات النفط والواردات الغذائية، عبر هذا الشريان الحيوي، الأمر الذي يحول المضيق من أداة ضغط بيد طهران إلى نقطة اختناق استراتيجية يمكن استهدافها بسهولة.
وتتركز صادرات النفط الإيرانية بشكل كبير في جزيرة خارك، التي تمثل عقدة مركزية لعمليات التصدير، ما يجعلها هدفاً حساساً لأي عمليات عسكرية أو حصار بحري، في حين تعتمد إيران بشكل كبير على الاستيراد لتأمين احتياجاتها من الحبوب والمواد الأساسية، وهو ما يعني أن أي انقطاع في حركة الملاحة سيؤدي إلى أزمة إمدادات حادة خلال فترة زمنية قصيرة، قد لا تتجاوز أسابيع قليلة.
أما البدائل التي تحاول إيران الترويج لها، مثل خط أنابيب جورك – جاسك أو ميناء تشابهار أو الربط البري مع الصين، فهي تظل محدودة القدرة وغير قادرة على تعويض الفاقد الناتج عن إغلاق المضيق، سواء من حيث الطاقة الاستيعابية أو الجاهزية اللوجستية، وهو ما يجعلها حلولاً جزئية لا ترتقي إلى مستوى البديل الاستراتيجي.
وتشير التقديرات إلى أن المهلة الزمنية التي يمكن للاقتصاد الإيراني الصمود خلالها في ظل حصار كامل قد لا تتجاوز ما بين عشرة إلى عشرين يوماً، في ظل محدودية سعات التخزين، واحتمالات توقف الإنتاج النفطي، وما قد يترتب على ذلك من أضرار دائمة في الآبار نتيجة الإغلاق القسري، إضافة إلى أزمة الوقود المحلية الناتجة عن عدم قدرة المصافي على تلبية الطلب الداخلي دون الاعتماد على الواردات عبر المضيق.
وفي المقابل، فإن المكاسب التي حققتها إيران خلال فترة التصعيد السابقة، عبر رفع صادراتها النفطية والاستفادة من ارتفاع الأسعار، تبدو أقرب إلى مكاسب ظرفية غير قابلة للاستدامة، إذ إن جزءاً كبيراً من هذه الإيرادات يظل محتجزاً في قنوات مالية معقدة، خصوصاً عبر التعاملات مع الصين التي تستحوذ على النسبة الأكبر من النفط الإيراني، في حين يظل ما يعرف بالأسطول “الظلي” أو التخزين العائم حلولاً مؤقتة لا يمكن البناء عليها في ظل حصار بحري محكم.
كما أن الرهان على الطرق البرية عبر العراق أو باكستان يظل محدود التأثير، إذ لا يمكن لعمليات التهريب أو النقل البري أن تعوض الحجم الضخم للتجارة البحرية، ولا أن تنقذ اقتصاداً يعاني أصلاً من معدلات تضخم مرتفعة وتراجع حاد في العملة الوطنية.
في هذا السياق، تبدو المفاوضات التي قد تلوح في الأفق أقرب إلى مفاوضات تحت ضغط الحصار ووقع التهديد العسكري، حيث يتحول العامل الاقتصادي إلى أداة حاسمة في فرض مسار التفاوض، وهو ما يعيد إنتاج نماذج سابقة من التفاوض القسري الذي لا ينطلق من توازن القوة، بل من اختلاله، بما يفتح المجال أمام تسويات مرحلية قد لا تعالج جذور الصراع بقدر ما تؤجل انفجاره.
أكاديمي ومحلل سياسي يمني
جامعة تعز