فخ "تحرير المحرَّر" وهدر اللحظة التاريخية في تعز

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

عندما ترتبك البوصلة، يتحول رفاق الخندق الواحد إلى خصوم في معارك متوهمة، وتغدو "الأنا" التنظيمية حجابًا يحجب رؤية الأفق الوطني الكبير.

في تعز، المدينة التي ظلت دومًا رافعة المشروع الوطني، تشهد اليوم حالة من "الانكفاء السياسي" الذي استبدل معركة التحرير الكبرى بصراعات الهيمنة الصغرى، مما أدى إلى تآكل الرصيد القيمي والسياسي للقوى التي تتصدر المشهد هناك.

وحتى لا أبدو متحاملًا على طرف بعينه، ألخص للقارئ ما يلي:
أولًا: سيكولوجية الاستحواذ وعمى الألوان السياسي

إن أخطر ما يواجه الحركات الكبيرة هو السقوط في فخ "ثقافة الغلبة". حين يظن تيار ما أن قوته العددية أو نفوذه العسكري يمنحه الحق في الاستئثار بالقرار وتهميش الشركاء، فإنه في الواقع يمارس نوعًا من "الإلغاء" الذي لا يختلف في جوهره عن فكر السلالية التي خرج الناس لمناهضتها.
إن منطق "الاستحواذ" يحوّل الاشتغال من بناء مؤسسات الدولة والالتفاف حول الهدف القومي (إنهاء الانقلاب السلالي) إلى الغرق في تفاصيل إحكام السيطرة على المفاصل الإدارية والأمنية المحلية.
هذا الانكفاء على "الهدف الخاص الأصغر" هو الذي منح الخصم السلالي عمرًا إضافيًا، وجعل من تعز جزيرة معزولة تصارع نفسها بدلًا من أن تقود قاطرة النصر.

ثانيًا: الفرص الضائعة.. عقد من التيه

خلال عشر سنوات، أضاع القابضون على زمام الأمور في تعز فرصًا تاريخية لا تتكرر، لعل أبرزها:

ـ إضاعة نموذج "المدينة الفاضلة":
فقدت تعز فرصة تقديم نفسها كنموذج للدولة المدنية والمؤسسات، وهو ما كان سيشكل عامل جذب للمناطق الواقعة تحت سيطرة الانقلاب.
وبدلًا من ذلك، غابت الرؤية، وحلّت الفوضى والمحاصصة.

ـ الظهير الشعبي الجامع:
استنزفت الصراعات البينية الثقة الشعبية.

ـ إضعاف الثقل التفاوضي:
تعز المحاصرة والمجزأة أضعفت الموقف التفاوضي للشرعية، لأن القوة المسيطرة انشغلت بـ "تحرير المحرر" وبسط النفوذ على المربعات الآمنة، بدلًا من استكمال فك الحصار.

ثالثًا: النتائج الكارثية.. حصاد الغباء السياسي

إن خسارة هذه الفرص لم تمر دون ثمن، بل ترتبت عليها نتائج وجودية تهدد مستقبل المحافظة:
ـ تآكل الشرعية الأخلاقية:
عندما يتم توجيه السلاح والجهد الإعلامي نحو "الشريك" في الداخل، يفقد الخطاب السياسي مصداقيته، وتتحول القضية من قضية وطن إلى صراع على مغانم.

ـ إطالة أمد السلالية:
إن انشغال القوى الفاعلة بمعارك جانبية هو "هدية مجانية" للمشروع الإمامي، الذي يقتات على انقسامات خصومه ويراهن على غبائهم السياسي لإطالة أمد بقائه.

ـ التمزيق المجتمعي:
إن سياسة الإقصاء والفرز السياسي داخل تعز مزقت النسيج الاجتماعي، وخلقت بيئة خصبة للثارات والمنافسات العبثية التي قد تمتد آثارها لأجيال.

دعوة للمراجعة قبل فوات الأوان

إن المأساة الحقيقية ليست في قوة العدو، بل في "عجز الصديق" عن إدراك حجم المسؤولية.
على القوة التي ترى نفسها "حامية الحمى" في تعز أن تدرك أن الاستمرار في نهج الهيمنة هو انتحار سياسي بطيء.
الوطن لا يُحرر بالأنانية التنظيمية، والشرعية لا تُستعاد بعقلية الاستحواذ.

إن التحدي اليوم ليس في من يحكم تعز، بل في بقاء تعز كقلب نابض للجمهورية.

فهل هناك من يمتلك الشجاعة الفكرية للاعتراف بأن الانكفاء على الذات هو أقصر الطرق للهزيمة؟

وهل من عودة للجادة قبل أن يبتلعنا التاريخ في ثقب "الغباء السياسي" الذي حذرنا منه طويلًا؟

"إن من يسعى لتحرير المحرر، بينما العدو على الأبواب، ليس إلا مقامرًا بمستقبل جيل كامل."