ترمومتر الحرب اليمنية: قراءة في الأزمة المركبة ومخاضات الإنفجار في تعز
مدخل مهم:
على مدى إحدى عشرة سنة (2015–2026)، عانت محافظة تعز من وضع جيوسياسي وإنساني استثنائي جعلها "ترمومتر" الحرب اليمنية.
ولتلخيص مسارات المشهد بعمق، لا يقتصر النظر إلى تعز كمدينة محاصرة فحسب، بل كساحة صراع معقدة تتداخل فيها العوامل العسكرية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية.
المقالة التي بين أيدينا تسعى جاهدة لتلخيص واقع تعز بين مطارق الواقع، وسندانات الانفجار الفينيقي، من خلال المحاور الثمانية التالية:
المحور الأول: الأزمة الإنسانية المركبة لتعز
يمكن حصر أهم الأسباب المباشرة لأزمة تعز المركبة بالآتي:
1 ـ الحصار الخانق والجغرافيا السياسية:
يعتبر الحصار الذي فرضته جماعة "أنصار الله" (الحوثيون) على مداخل المدينة الرئيسية هو السبب الجذري لمعظم المعاناة.
ـ عزل المدينة: إغلاق الطرق الرئيسية (مثل طريق الحوبان، الذي فُتح قبل عام) حوّل رحلة الـ 10 دقائق إلى 6 ساعات عبر طرق جبلية وعرة وخطيرة، وما تزال طرق أخرى مغلقة كطريق (تعز ـ الحديدة).
ـ خنق الاقتصاد: أدى الحصار إلى ارتفاع جنوني في أسعار السلع والخدمات نتيجة تكاليف النقل الباهظة، مما دمر القوة الشرائية للسكان.
2 ـ الانقسام الإداري والعسكري (تعدد السلطات)
تعز ليست منقسمة بين طرفي حرب فقط، بل تعاني من "انقسامات داخل البيت الواحد":
ـ تعدد الولاءات: تعاني المحافظة من تباين أجندات الفصائل العسكرية التابعة للحكومة المعترف بها، ما أدى أحياناً إلى صدامات داخلية مسلحة أضعفت الجبهة الموحدة.
ـ ازدواجية المؤسسات: وجود إدارة في الحوبان (تابعة للحوثيين) وإدارة في وسط المدينة (تابعة للحكومة) خلق شتاتاً في الخدمات العامة والتحصيل الضريبي والجباية.
3 ـ غياب الدولة وضعف القبضة الأمنية
شهدت السنوات الماضية حالة من "الانفلات الأمني" الممنهج في المناطق المحررة كـ:
ـ بروز "العصابات المنفلتة": وجود جماعات مسلحة تدعي الانتماء للجيش أو الأمن، تقوم بالسطو على الأراضي والجبايات غير القانونية، مما زعزع ثقة المواطن في السلطة المحلية.
ـ تعطيل القضاء: واجه الجهاز القضائي صعوبات جمة في فرض سلطة القانون على القيادات العسكرية النافذة.
4 ـ الاستهداف الممنهج للبنية التحتية
تمتاز مدينة تعز عن بقية المدن اليمنية بأنها الأكثر تعرضاً للقصف المباشر والقنص، فقد تم:
ـ تدمير المنشآت: تضررت المستشفيات، والمدارس، وشبكات المياه والكهرباء بشكل كلي أو جزئي.
ـ اتساع أزمة المياه: تعد تعز أفقر محافظة مائية في اليمن، وزاد الحصار من حدة الأزمة بمنع الوصول إلى آبار المياه الرئيسية الواقعة في مناطق التماس أو سيطرة الطرف الآخر.
5 ـ التهميش السياسي "المزمن"
منذ قيام ثورتي سبتمبر أكتوبر، ومحافظة تعز تعاني من التهميش شمالاً وجنوباً، وازداد هذا التهميش كثيراً طوال فترة هذه الحرب، إلى حد تعاظم الشعور العام لدى أبناء تعز بأن محافظتهم لا تُستخدم إلا كـ "ورقة تفاوض" في المحافل الدولية، ولكن دون حل حقيقي، وبدا ذلك جلياً في اتفاق ستوكهولم الذي رأى فيه الكثيرون أن تعز خُذلت في الاتفاقات الدولية التي ركزت على الحديدة وتجاهلت فك حصار تعز بشكل جدي.
كما أن الثقل الديموغرافي كونها الأكثر سكاناً في اليمن، واستقرارها يمثل تهديداً أو فرصة للقوى السياسية، كل ذلك جعلها ساحة لتصفية الحسابات بين المشاريع الإقليمية والمحلية على حد سواء.
6 ـ تآكل الطبقة الوسطى والنزوح
عرفت تعز بـ "عاصمة الثقافة" ومنبع الكوادر الإدارية في اليمن، غير أن الحرب أدت إلى هجرة العقول ورؤوس الأموال إلى خارج المحافظة أو خارج البلاد، مما أفرغ المدينة من محركها التنموي والمدني.
في ضوء هذه الأسباب التي أوردتها، نستنتج أن مشكلة تعز ليست مجرد "جبهة قتال"، بل هي أزمة إنسانية مركبة ناتجة عن حصار خارجي، وتشرذم داخلي، وتجاهل دولي.
: المحور الثاني: مظاهر الأزمة المعقدة المركبة لتعز
تتجلى مظاهر الأزمة المعقدة المركبة لتعز من خلال الاقتصاد المشوه، والأمن الهش، والحريات المقيدة، وهي عوالم متداخلة يغذي بعضها بعضاً، وتتجلى معطياتها في المشاهد الثلاثة التالية:
أولاً: المشهد الاقتصادي (اقتصاد الحرب والجباية)
تحولت تعز من مركز صناعي وتجاري رائد إلى بيئة طاردة للاستثمار نتيجة عوامل عديدة أهمها:
ـ ازدواجية التحصيل والجبايات:
التاجر في تعز يعاني من دفع الضرائب والجمارك مرتين؛ مرة لسلطات "الأمر الواقع" في الحوبان، وأخرى للسلطة المحلية في المدينة، بالإضافة إلى "الجبايات غير القانونية" في النقاط العسكرية المنتشرة على الطرق الوعرة.
ـ تفتت الكتلة النقدية:
إن التباين في سعر صرف العملة بين مناطق السيطرة الحوثية والمناطق المحررة خلق شللاً في الحركة التجارية، مما جعل التحويلات المالية بين أبناء المحافظة الواحدة مكلفة ومعقدة.
ـ انهيار البنية الصناعية:
حدث فصل جغرافي لمنطقة "الحوبان" التي تضم كبرى المصانع (مجموعة هائل سعيد أنعم وغيرها) عن الكتلة السكانية الكبرى في المدينة، مما أدى إلى فقدان آلاف الوظائف وارتفاع تكاليف السلع المنتجة محلياً بسبب الالتفاف حول الطرق الجبلية.
ثانياً: المشهد الأمني (تعدد الرؤوس والولاءات، وغياب الضبط)
لم يعد الأمن في تعز مجرد مواجهة مع الخصم الخارجي، بل صار صراع نفوذ داخلي يلقي بظلاله على حياة المدنيين، نجمت عنه مشاكل إضافية تمثلت في:
1 ـ انفلات المربعات الأمنية: ومن مظاهرها سيطرة فصائل عسكرية بمرجعيات أيديولوجية أو مناطقية مختلفة على أحياء المدينة، مما أدى إلى تضارب الاختصاصات، ونشوء ما يعرف بـ "العصابات المسلحة" التي يحتمي بعضها بغطاء شرعي عسكري.
2 ـ نهب الممتلكات والسطو على الأراضي: ومن مظاهرها قضايا الأراضي في تعز التي تعد من أبرز المحركات للصراعات المسلحة الداخلية، حيث تُستغل القوة العسكرية للسيطرة على أملاك المواطنين أو الدولة في ظل ضعف القضاء.
3 ـ الاغتيالات والاشتباكات البينية: وتمظهرت فيما شهدته السنوات الماضية من جولات صراع دامية داخل المدينة (الإصلاح/ السلفيين) مع أنها فصائل رفيقة في السلاح، وأسفر عنها سقوط ضحايا مدنيين وزعزعة السكينة العامة.
ثالثاً: مشهد الحقوق والحريات (قمع مزدوج)
يقع المواطن التعزي بين مطرقة القمع الممنهج وسندان الفوضى، وتتمظهر ضريبة هذا الموقف الذي يدفعه أبناء تعز في:
1 ـ تقييد حرية التنقل: الحصار هو الانتهاك الأكبر لحقوق الإنسان في تعز، حيث يُحرم المرضى والطلاب والعمال من حقهم الطبيعي في التنقل، مما تسبب بمئات الوفيات نتيجة الحوادث في الطرق الجبلية البديلة.
2 ـ استهداف الناشطين والصحفيين:
في مناطق الحوثيين: قمع مطلق، اختطافات، وإحالة الناشطين للمحاكمات بتهم التخوين.
في مناطق الشرعية: مضايقات للصحفيين الذين ينتقدون الفساد أو الانفلات الأمني، وصلت أحياناً إلى حد الاعتقال أو التهديد بالتصفية.
3 ـ القصف والقنص الممنهج: تعز هي المحافظة الأولى يمنياً في عدد ضحايا القنص والألغام بين المدنيين (خاصة الأطفال والنساء)، وهو انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني يُرتكب بشكل شبه يومي على خطوط التماس.
مظاهر هذه المشاهد في تعز لن تُحل إلا بإنهاء حالة "اللا حرب واللا سلم" وتحويل تعز من ساحة تصفية حسابات إلى نموذج لسيادة القانون.
المحور الثالث: ضرورة إصلاح البيت الداخلي لتعز قبل فوات الأوان
بعد أن شُخِّصت أسباب ومظاهر الأزمة الإنسانية المركبة لتعز في المحورين السابقين، من الأحرى بنا هنا وصف الدواء المتمثل بإصلاح البيت الداخلي لتعز قبيل فوات الأوان.
إن الشرط الرئيس لنفع الدواء/ حل الأزمة المركبة لتعز لا يكفي معه أن يكون لدى الشرعية نوايا الرغبة والقناعة الكاملة لذلك، وإنما الاستعداد العملي للشروع في إنقاذ محافظة تعز من المشاكل التي تغرق داخلها. وضمان نجاح العلاج هو أن تضع الشرعية يدها على مكامن الجروح التي تنهش المحافظة (المناطق المحررة)، وبتعبير آخر: "إصلاح البيت الداخلي" في تعز.
مثل هكذا إصلاح لا يعد خياراً ترفياً بقدر ما هو ضرورة استراتيجية لاستعادة ثقة الحاضنة الشعبية، وتقديم نموذج مغرٍ للدولة يختلف عن نموذج الميليشيات الحوثية.
لا ينبغي أن تتأخر السلطة الشرعية كثيراً عن إصلاح البيت الداخلي في تعز، بل يجب عليها الإسراع في ذلك، وجعله خطوة استباقية لأي تسوية شاملة مستقبلاً... وفيما يلي أبرز وأهم عناصر إصلاح البيت التعزي من الداخل:
أ ـ الإصلاح الهيكلي للمنظومة الأمنية والعسكرية:
إذ لا يمكن الحديث عن استقرار دون إنهاء حالة "تعدد الرؤوس" في المدينة، وهنا يجب:
1 ـ دمج الفصائل دمجاً حقيقياً: وأقصد بذلك إنهاء الولاءات الحزبية أو الشخصية داخل الألوية العسكرية، وإخضاعها لغرفة عمليات موحدة تابعة لوزارة الدفاع فعلياً لا صورياً.
2 ـ إخلاء المدن من المظاهر المسلحة: تحويل الثكنات العسكرية في الأحياء السكنية إلى الجبهات، وتسليم ملف الأمن الداخلي حصراً لوزارة الداخلية (جهاز الشرطة) بعد تأهيله وتجريده من التدخلات العسكرية.
3 ـ تفعيل القضاء العسكري: لمحاسبة الأفراد والقيادات المتورطة في قضايا السطو أو الانتهاكات؛ لكسر حاجز "الحصانة" التي يتمتع بها بعض النافذين.
ب ـ الإصلاح المالي والإداري (تجفيف منابع الفساد):
تمتلك تعز موارد كبيرة لكنها تتبخر في "ثقوب سوداء"، لهذا ينبغي أن يقوم الإصلاح المالي هنا بـ:
1 ـ توحيد الأوعية الإيرادية: من خلال إنهاء الجبايات الموازية التي تذهب لصالح قيادات عسكرية أو فصائلية، وتوجيه كل الريالات إلى البنك المركزي لدعم الخدمات العامة والمرتبات.
2 ـ الشفافية في "صندوق النظافة والتحسين": من خلال استغلال موارد المحافظة لإصلاح الشوارع المتهالكة وإعادة الإنارة والخدمات الأساسية، مما يعطي انطباعاً ملموساً بوجود "دولة" تهتم بالمواطن.
3 ـ تفعيل الرقابة والمحاسبة: عبر تمكين الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة من فحص ملفات السلطة المحلية والكهرباء والمياه دون ضغوط.
ج ـ خلق "بيئة آمنة" للاقتصاد المحلي:
بدلاً من انتظار فك الحصار، يمكن للشرعية تحسين الوضع الاقتصادي داخلياً من خلال:
حماية التاجر والمستثمر: توفير حماية قانونية وأمنية تمنع الابتزاز الذي يتعرض له أصحاب المحلات والمصانع، مما قد يشجع على عودة بعض رؤوس الأموال المهاجرة.
تسهيل الطرق الداخلية: إصلاح الطرق الوعرة الخاضعة لسيطرة الشرعية (مثل طريق هيجة العبد) وتأمينها بشكل احترافي لتقليل كلفة نقل البضائع، والاستفادة من الطريق الجديد (المخاء ـ تعز).
د ـ استعادة الهوية الثقافية والمدنية:
لا غرو إذا ما قلت إن تعز قد فقدت بريقها كـ "حالمة" ومركز للتنوير، ولاستعادة دورها الريادي ينبغي:
1 ـ تمكين الكفاءات: استبدال التعيينات القائمة على المحاصصة الحزبية بآخرين من ذوي الكفاءة والخبرة من أبناء المحافظة المستقلين.
2 ـ دعم الحريات العامة: تحويل تعز إلى واحة للحرية والتعبير، حيث يمكن للصحفي والناشط انتقاد الفساد دون خوف من الاعتقال، مما يجعلها نموذجاً أخلاقياً يتفوق على مناطق القمع.
طيب.. ما الذي يجعلني متأكداً من أن الإصلاحات التي سردتها أعلاه تمثل الحل الأمثل؟
الجواب ببساطة هو أن الشرعية إذا نجحت في تقديم "نموذج دولة" حقيقي من خلال تعز (أمن، عدل، خدمات)، فإنها ستحقق انتصاراً سياسياً يفوق الانتصارات العسكرية... لأنها بذلك ستكون قد سحبت الذرائع لدى الأطراف الأخرى التي تراهن على فوضى المناطق المحررة من ناحية، ومن ناحية ثانية سوف تقوي موقفها التفاوضي أمام المجتمع الدولي كطرف قادر على إدارة وبناء المؤسسات، ومن ناحية ثالثة ستخفف الاحتقان الشعبي الذي بدأ يتحول إلى نقمة ضد "الشرعية" نفسها بسبب الانفلات وغياب الخدمات.
المحور الرابع: الحيلولات التي تقف عقبة لتحقيق الإصلاحات في تعز
السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المحور هو:
يا ترى هل "الإرادة السياسية" أم "الارتهان للخارج" أم قوة النافذين على الأرض هي من تمثل العقبة الكبرى التي تمنع الشرعية من البدء فوراً في هذه الإصلاحات؟
بالنسبة لكاتب المقالة، يرى أنها جميعاً تشكل الحيلولة أو العقبة الكبرى التي تحول دون قيام الإصلاحات؛ لأن المشكلة ليست أحادية الجانب بقدر ما هي "تشابك مصالح" جعل من تعز ضحية لثلاثة مستويات من الضغط، وهي:
المستوى الأول: ضغط غياب الإرادة السياسية (الجمود القيادي)
هناك نوع من "الاستئناس" بالوضع الراهن لدى بعض دوائر القرار؛ فبدلاً من رؤية تعز كمنطلق لاستعادة الدولة، تم التعامل معها كجبهة استنزاف دائم. إن غياب القرار الحاسم بإجراء تغييرات جذرية في هرم السلطة المحلية والعسكرية يعكس رغبة في الحفاظ على "توازنات القوى" بدلاً من ترسيخ "سلطة الدولة".
المستوى الثاني: قوة النافذين على الأرض (الدولة الموازية)
خلال سنوات الحرب، نشأت "طبقة حرب" مستفيدة من الفوضى. هؤلاء النافذون (سواء كانوا قادة عسكريين، أو مدراء مكاتب تنفيذية، أو زعماء عصابات مغطاة بالشرعية) يرون في الإصلاح الأمني والمالي تهديداً مباشراً لمصالحهم، مثل:
ـ اقتصاد النقاط: الجبايات التي تُحصّل في المداخل تذهب لجيوب أفراد لا لخزينة الدولة.
ـ نهب العقارات: غياب القضاء يسمح باستمرار السطو على الأراضي العامة والخاصة.
أي محاولة للإصلاح تصطدم بـ "قوة السلاح" التي يمتلكها هؤلاء لتعطيل أي توجه مدني.
المستوى الثالث: الارتهان للخارج (تعدد الأجندات)
تعز، بحكم موقعها الجيوسياسي المطل على الساحل والقريب من ممر الملاحة الدولية، خلق منها ساحة لتجاذبات إقليمية أفضت بدورها لتقاطع الأجندات؛ حيث أدى التباين في رؤى دول التحالف والمحاور الإقليمية ـ حول مستقبل تعز وهويتها السياسية ـ إلى دعم أطراف متنافسة داخل المحافظة الواحدة.
كما أفضت تلك التجاذبات إلى جعل السلطة الشرعية تعاني من استمرار مشكلة (القرار المسلوب)، وارتهانها لتوافقات خارجية تمنعها من التحرك بحرية لإجراء إصلاحات قد لا تتوافق مع حسابات الممولين أو الحلفاء في لحظة معينة.
لتكون المحصلة في النهاية "دائرة مفرغة"؛ لأنه عندما تجتمع عدم الرغبة في التغيير (الإرادة)، مع الخوف من مراكز القوى (النافذين)، والانتظار لما ستسفر عنه تفاهمات الخارج (الارتهان)، نجد أنفسنا أمام وضع "استاتيكي" (جمود) يدفع ثمنه المواطن البسيط في تعز يومياً من أمنه ولقمة عيشه.
وكسر هذه الدائرة المفرغة يتطلب عادةً "صدمة" إيجابية من رأس الهرم في الشرعية، أو ضغطاً شعبياً منظماً لا يستطيع النافذون تجاهله.
المحور الخامس: التحركات الورقية لمجلس القيادة الرئاسي
هناك من يؤمل في التحركات الأخيرة لمجلس القيادة الرئاسي لإحداث فرق حقيقي في تعز غير أن الغالبية، والكاتب من ضمنها ترى أن تحركات مجلس القيادة الرئاسي لا تزال في إطار "الوعود البروتوكولية"..!
وتقوم رؤية هذه الغالبية من أبناء تعز والمراقبين للشأن اليمني على معطيات جوهرية وليس ادعاءات غير واقعية فالتاريخ القريب للمحافظة مليء بالقرارات "الورقية" واللجان التي تُشكل عقب كل أزمة أمنية أو احتجاج شعبي، ثم تذوب نتائجها في تعقيدات الواقع.
وتتمظهر المعطيات التي تجعل تحركات مجلس القيادة الرئاسي تبدو لكأنها مجرد "وعود بروتوكولية" على النحو التالي:
1. فجوة "القرار والتنفيذ"
لم تكن المشكلة في تعز يوماً في نقص القرارات أو القوانين، بل في أداة التنفيذ. مجلس القيادة الرئاسي يصدر توجيهات، لكن على الأرض، تظل القوة الفعلية بيد قادة الوحدات العسكرية والمجموعات المسلحة التي لا تجد رادعاً حقيقياً يحاسبها عند الامتناع عن التنفيذ.
2. غياب النموذج "الملموس"
المواطن في تعز يقيس التغيير بمعايير بسيطة ومباشرة:
ـ هل انخفضت الجبايات في المداخل؟
ـ هل أُخليت مدرسة أو قسم شرطة من مسلحين غير نظاميين؟
ـ هل تحسنت ساعات تشغيل الكهرباء أو ضخ المياه؟
وما دام المواطن لا يلمس هذه التغييرات في حياته اليومية، فإن تصريحات مجلس القيادة بالنسبة له تظل مجرد صياغات إعلامية للاستهلاك السياسي.
3. التوازنات داخل المجلس نفسه
مجلس القيادة الرئاسي يضم أطرافاً ذات رؤى متباينة تجاه تعز.
هذا التباين يجعل القرارات الصادرة عنه غالباً ما تكون "توافقية" إلى حد الضعف، حيث تُصاغ بطريقة لا تغضب أي طرف نافذ، مما يفرغها من محتواها الإصلاحي الجذري.
إذن.. متى يمكننا القول إننا خرجنا من "الإطار البروتوكولي"؟
هناك مؤشرات "راديكالية" إذا حدثت، يمكن حينها الحديث عن بصيص أمل حقيقي:
ـ مؤشر التغيير الشامل للرؤوس: تغيير القيادات التي ارتبطت أسماؤها بالفشل الأمني أو قضايا الفساد خلال السنوات الماضية، واستبدالها بشخصيات مهنية مستقلة.
ـ مؤشر المساءلة العلنية: أن نرى قائداً عسكرياً أو مسؤولاً محلياً يُحال للمحاكمة بسبب قضايا السطو أو الانفلات الأمني.
ـ مؤشر الموازنة المباشرة: أن تخصص الحكومة ميزانية طوارئ لإصلاح الخدمات الأساسية في تعز بعيداً عن دهاليز البيروقراطية والنهب.
إن هذه المؤشرات لا تعتبر شكوكا يحملها الكاتب ومن يشاطره فيها، وإنما هي نتيجة منطقية لسنوات من الوعود التي لم تجد طريقاً للتنفيذ، والحديث يقول: "المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين"، وتعز لُدغت من جحر الوعود عشرات المرات.
المحور السادس: الوصول إلى حالة اختناق صوت الشارع الحر بتعز
لا أعتقد أن الضغط الشعبي أو "الحراك المدني" داخل تعز ما يزال يمتلك القدرة على إجبار المجلس الرئاسي على تجاوز الوعود البروتوكولية؛ لأن صوت الرصاص قد خنق تماماً صوت الشارع التعزي الحر.
ومن المعلوم أنه كلما طال أمد الحرب في بيئة أو مجتمع ما، تتحول "البندقية" من أداة لحماية المجتمع إلى أداة لإسكاته. تلك هي الحقيقة؛ عندما يطغى "صوت الرصاص" على "صوت الشارع"، نصبح أمام حالة من التجريف الممنهج للمدنية، وهذا يظهر واضحاً في تعز من خلال عدة مستويات ظاهرة:
1 ـ عسكرة الفضاء العام:
تحولت تعز من مدينة كانت تقود الثورات السلمية والمبادرات المدنية إلى "ثكنة كبيرة". وجود المسلحين في كل زاوية، وتداخل المهام بين رجل الأمن والجندي والمسلح "المنفلت"، خلق بيئة من الخوف تجعل أي تحرك مدني مخاطرة غير محسوبة العواقب.
2 ـ إنهاك المواطن (سياسة التجويع):
الحراك المدني يحتاج إلى طاقة وفراغ ذهني، لكن المواطن في تعز اليوم مستنزف كلياً في "معركة البقاء"؛ حيث أنهكه البحث عن لقمة العيش في ظل تدهور العملة، وأنهكه توفير المياه والكهرباء، وأنهكه تأمين طريق بديل للسفر، وهذا الإنهاك جعل الأولويات تنحصر في "النجاة الفردية" بدلاً من "التغيير الجماعي".
3 ـ تدجين النخب والناشطين:
الكثير من الأصوات المدنية التي كانت ترفع سقف المطالب، إما:
ـ استُقطبت: عبر تعيينات في مناصب إدارية أو عسكرية صورية لإسكاتها.
ـ هُجّرت: غادرت المدينة بحثاً عن الأمان في الخارج أو في المحافظات المستقرة نسبياً.
ـ قُمِعت: عبر التهديد المباشر أو التشويه الإعلامي، مما جعل البقية تفضل "السلامة" أو الصمت.
4 ـ غياب الأدوات الضاغطة:
قبل الحرب كانت الصحافة والوقفات الاحتجاجية تشكل إحراجاً للسلطة، لكن في ظل سلطات "الأمر الواقع" وتعدد الولاءات، أصبح المسؤول لا يكترث بالسمعة أو النقد، طالما أنه يمتلك القوة العسكرية التي تحميه من المحاسبة.
والنتيجة المرة في هذا السياق هي أن تعز تعيش حالة من "اليأس المنظم". ومن الطبيعي هنا أن المجلس الرئاسي، حين يرى أن الشارع "خامد" بفعل الخوف أو الإنهاك، لا يشعر بضغط حقيقي يدفعه للمخاطرة بصدام مع النافذين على الأرض بغية إجراء إصلاحات حقيقية.
هذا الوضع يحول الوعود إلى "مسكنات" تُعطى لمريض لا يملك حتى القدرة على الصراخ من الألم.
المحور السابع: الانفجار المرتقب
السؤال الذي يفرض نفسه في محورنا هنا:
إذا كان "صوت الشارع" قد خُنق، و"الوعود" مجرد بروتوكول، هل سيؤدي ذلك إلى حدوث انفجار غير منظم خارج عن السيطرة في تعز، أم أن المراهنة تظل على حدوث تغيير مفاجئ في موازين القوى الكبرى (الخارجية) لفرض واقع جديد؟
بالنسبة للكاتب: إن تعز التي أعرفها لا تراهن على حدوث تغيير مفاجئ في موازين القوى الكبرى (الخارجية) لفرض واقع جديد، وإنما تنتظر "انفجاراً" غير منظم خارجاً عن السيطرة. ولست وحدي من ينتظر ذلك، بل كل المتنورين العضويين من المثقفين الحقيقيين، والمفكرين والكتاب، والصحافيين، والأكاديميين، والعقلاء، ممن عايشوا تحولات مدينة تعز من "حالمة" إلى "محاصرة"؛ جميعهم يدرك أن الشعوب التي تُحرم من أدوات التغيير المدني وتُسد في وجهها أبواب الإصلاح المؤسسي، لا تذوب، بل "تغلي" في صمت حتى لحظة التحول إلى الانفجار.
وما أتوقعه أنا من "انفجار غير منظم خارج عن السيطرة" هو السيناريو الذي يخشاه الجميع ولكن يغذيه النافذون بسلوكهم اليومي. إن هذا النوع من الانفجارات عادة ما يتشكل من ثلاث ركائز:
1 ـ ركيزة كسر حاجز الخوف بفعل "الجوع":
يقول التاريخ إن "صوت الرصاص" قد يخنق المطالب السياسية، لكنه نادراً ما ينجح في خنق صرخة الجوع. عندما تصل الطبقة الوسطى والفقيرة في تعز إلى مرحلة العجز التام عن تأمين البقاء، يصبح الرصاص أقل تخويفاً من الموت جوعاً داخل المنازل.
2 ـ ركيزة فقدان الثقة الكامل بالبدائل:
رهان تعز التاريخي كان على "الدولة" والجمهورية. لكن عندما يرى المواطن أن "الشرعية" التي انتظرها قد تحولت في بعض مفاصلها إلى مراكز قوى لا تختلف في سلوكها عن الميليشيات، فإنه يكفر بالهياكل القائمة. هذا الكفر هو الوقود الأول للانفجار العشوائي الذي لا يقوده حزب ولا توجه سياسي.
3 ـ ركيزة غياب "صمامات الأمان":
في المجتمعات المستقرة، تمثل الصحافة الحرة، والقضاء المستقل، والحراك المدني "صمامات أمان" لتفريغ الاحتقان. في تعز، تم إغلاق هذه الصمامات أو تدجينها، مما يجعل الضغط داخلياً وتراكمياً، والانفجار الناتج عنه عادة ما يكون عنيفاً وغير قابل للاحتواء؛ لأنه يفتقر لـ "رأس" يمكن التفاوض معه.
فما هي مآلات "الانفجار غير المنظم" المتوقعة؟
هذا السيناريو الذي أراه يلوح في الأفق هو أخطر ما قد تواجهه المحافظة؛ لأنه:
ـ قد يؤدي إلى حالة من الفوضى الشاملة التي ستأكل ما تبقى من مؤسسات.
ـ قد يُستغل من قبل أطراف الصراع لإعادة تموضع عسكري جديد تحت مبرر "حفظ الأمن"، الأمر الذي سيضع المجتمع الدولي والتحالف أمام حقيقة أن "الاستقرار الهش" الذي يحاولون الحفاظ عليه في تعز هو مجرد وهم.
إن كل من يمتلك أدوات القراءة التاريخية يعرف يقيناً أن تعز لم تعد تراهن على "الخارج"؛ لأنها تدرك جيداً أن التغيير الذي يأتي من الخارج غالباً ما يكون مشروطاً بمصالح المانحين، وأن الانفجار الداخلي يعتبر التعبير الأخير عن "كرامة المكان" حين تُسلب منه كل الخيارات.
ورغم المخاطر الكارثية التي ستنجم عن الانفجار المرتقب، غير أنه بمثابة "الشر الذي لا بد منه" لإعادة صياغة واقع تعز بعيداً عن ارتهان النخب والنافذين، وتعرف هذه الرؤية بفلسفة "الهدم الخلاق"؛ لأنه عندما لا يمكن إصلاح الواقع الجامد المتعفن بالترميم أو بالوعود "البروتوكولية" فإنه يحتاج إلى زلزال يعيد ترتيب القطع من الصفر.
اعتبار هذا الانفجار المرتقب "شراً لا بد منه" يعكس القناعة بأن تعز ستكون قد وصلت إلى طريق مسدود مع النخب الحالية. طيب... ما هي الأبعاد التي تجعل من هذا السيناريو، على قسوته، مساراً إجبارياً في نظر الكثير من المراقبين؟
البعد الأول: تحطيم "صنم" الأمر الواقع.
النافذون والمستفيدون من "اقتصاد الحرب" و"انفلات الأمن" استثمروا في استدامة الوضع الراهن. الانفجار غير المنظم هو القوة الوحيدة القادرة على خلخلة هذه المصالح المتجذرة؛ لأنه لا يخضع لقواعد اللعبة التي وضعوها، ولا يعترف بالتوازنات التي يحتمون بها.
البعد الثاني: تجاوز النخب "المتحجرة".
لقد أثبتت السنوات العشر الماضية أن النخب السياسية (سواء في الشرعية أو الأحزاب) أصبحت عبئاً على تعز بدلاً من أن تكون رافعة لها. الانفجار الشعبي العفوي يزيح هذه النخب من الواجهة، ويجبر الجميع على البحث عن قيادات جديدة تنبت من رحم المعاناة لا من دهاليز المحاصصة.
البعد الثالث: إحراج "الصمت الدولي والإقليمي".
ما دامت تعز "هادئة" تحت وطأة القمع والفقر، فإن المجتمع الدولي والتحالف يميلون لتجاهلها. الانفجار يضع ملف المحافظة على الطاولة كقنبلة موقوتة تهدد الاستقرار الإقليمي وممرات الملاحة، مما قد يجبر القوى الكبرى على اجتراح حلول حقيقية بدلاً من المسكنات.
النتائج المتوقعة من الانفجار المرتقب:
يمكن اختصار تلك النتائج بالآتي:
ـ كلفة الدماء: الانفجارات غير المنظمة غالباً ما تكون باهظة الثمن من أرواح البسطاء.
ـ فراغ السلطة: الخوف من أن يؤدي سقوط النافذين الحاليين إلى صراع أشد ضراوة بين "أمراء حرب" جدد أكثر توحشاً.
ـ التمزق الاجتماعي: أن يتحول الغضب من السلطة إلى صراعات بين المكونات الاجتماعية داخل المدينة.
المحور الثامن: الضريبة الأخلاقية، وزوايا الاستعداد للإنفجار المرتقب.
لا يخفى على أبناء تعز الذين يمثلون أمتدادا لمناضلي الحركة الوطنية خاصة في مديريات الحجرية، وصبر، أنها في نظرهم، ونظر الكثير من مثقفيها، قد استنفدت كل فرص "الإصلاح الهادئ".
وعندما تُسد النوافذ، لا يتبقى أمام القابعين في الغرفة المظلمة سوى تحطيم الجدران، حتى لو سقط السقف فوق الرؤوس؛ فالحرية والعدالة في الوعي التعزي لطالما كانت تُنال بالثورات لا بالمنح.
لذا لا أستبعد أن أغلب المتعلمين في تعز اليوم مستعدون اكثر من أي وقت مضى لتوجيه هذا الانفجار حال حدوثه نحو مسار بناء، حتى وإن صاروا هم أول ضحاياه، فتلك هي الضريبة الأخلاقية لتعز.
إنها ضريبة رد الاعتبار للدور التاريخي لتعز كـ "عقل اليمن" وحاملة مشروعه التنويري.
الضريبة التي يلتزم بها المثقف أمام شعبه حين تصل الأمور إلى ذروة الانسداد.
ويمكن قراءة هذا الاستعداد لدى أبناء تعز المثقفين من عدة زوايا:
الزاوية الأولى: تجاوز مرحلة "المراقب" إلى "الفاعل"
يبدو أن المثقف في تعز قد سئم من دور "كاتب التقارير" أو "الناقد من بعيد". الاستعداد ليكون "أول الضحايا" يعني أن النخبة أدركت أن وجودها مهدد أصلاً في ظل الوضع الراهن، وأن الانخراط في توجيه الانفجار القادم هو محاولة لإنقاذ "روح المدينة" حتى لو كان الثمن الشخصي باهظاً.
الزاوية الثانية: ترشيد "الغضب" ومنع الانحراف.
قوة النخبة الثقافية في لحظات الانفجار تكمن في قدرتها على صياغة "مطالب واضحة" ومنع تحول الفوضى إلى مجرد أعمال انتقامية.
البناء وسط الركام: دور المثقف سيكون في تحويل صرخة الجوع العفوية إلى مشروع سياسي يطالب بسيادة القانون، والمواطنة المتساوية، وإنهاء ارتهان القرار.
الزاوية الثالثة: رمزية التضحية
في تاريخ الثورات، كانت تضحيات النخبة (من كُتّاب وأدباء وأكاديميين) هي "الوقود" الذي يمنح الحراك الشعبي شرعيته واستمراريته.
إذا رأت الجماهير أن مثقفيها في الصفوف الأولى، فإن ذلك يمنع اليأس ويقطع الطريق على النافذين الذين يحاولون دائماً وصم أي حراك شعبي بأنه "تخريبي" أو "مدفوع".
تحدي "الضحية الأولى"
أن تكون النخبة هي "الضحية الأولى" هو احتمال وارد جداً في "الانفجارات غير المنظمة"، لأن:
النافذين سيوجهون رصاصهم أولاً نحو "العقل المدبر" لإجهاض أي محاولة للتنظيم.
الفوضى نفسها لا تميز أحياناً بين الصديق والعدو في ساعاتها الأولى.
خاتمة مهمة
إن إيماني بجاهزية أبناء تعز المتعلمين والمثقفين من عمال، وفلاحين، وموظفين؛ هو بصيص الأمل الوحيد في هذا المشهد القاتم. فتعز التي عرفتها لطالما كانت كالطائر الفينيقي حين ينبعث من بين الرماد.
وإذا كان الانفجار هو "الشر الذي لا بد منه"، فإن وجود نخبة مستعدة للتوجيه والتضحية هو "الضمانة الوحيدة" لئلا يذهب هذا الانفجار سُدى، ولئلا تُسرق تضحيات الناس مرة أخرى من قِبل طبقة جديدة من الانتهازيين.
أتمنى بهذه المقالة أني قد قمت بما يمليه عليّ ضميري وعقلي من إرشاد أبناء تعز الأحرار إلى سبيل التغيير، ويحدوني الأمل أيضاً أن تكون كلماتي قد رسمت ملامح "مخاض عسير" لمحافظة لا تقبل الموت السريري أبداً.