الجوف بين سيطرة الحوثي وتراجع فاعلية الشرعية اليمنية
في خريطة الصراع اليمني، لا تبدو محافظة الجوف مجرد مساحة جغرافية واسعة في الشمال الشرقي، بل تمثل عقدة استراتيجية تتقاطع عندها اعتبارات الأمن والجغرافيا ومسارات الحرب. فموقعها المتاخم للحدود السعودية، واتصالها المباشر بصعدة ومأرب، جعل منها ساحة ذات تأثير يتجاوز نطاقها المحلي، ويمنح السيطرة عليها وزنًا مباشرًا في معادلة التوازنات العسكرية شمال اليمن.
منذ سقوط مدينة الحزم بيد مليشيا الحوثي في مارس 2020، دخلت الجوف مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى. لم يكن ذلك السقوط حدثًا معزولًا، بل نقطة تحول في بنية السيطرة داخل المحافظة، إذ تمكنت المليشيا خلال فترة وجيزة من توسيع نفوذها على معظم المديريات.
تكتسب الجوف أهميتها الاستراتيجية بالنسبة لمليشيا الحوثي من كونها تشكل عمقًا دفاعيًا متقدمًا باتجاه صعدة، وفي الوقت ذاته منصة ضغط باتجاه مأرب، فضلًا عن موقعها الحدودي المتصل بالعمق السعودي. لذلك لم تُعامل المحافظة بوصفها ساحة هامشية، بل كجزء من بنية عسكرية متصلة تُستخدم لإدارة التهديد وتوسيع هامش الحركة الميدانية. في المقابل، فإن تراجع الحكومة الشرعية عن الجوف لم يكن نتيجة معركة حاسمة واحدة، بقدر ما كان حصيلة تراكمات طويلة من ضعف الإمداد، وتآكل الفاعلية الميدانية، وتضارب القرار الميداني بين القيادات العسكرية، وتراجع الحاضنة المحلية في بعض المناطق.
حتى اللحظة، لا تزال مليشيا الحوثي تسيطر على الجزء الأكبر من محافظة الجوف، بما في ذلك المراكز الحيوية والطرق الرئيسية، وهو ما يمنحها أفضلية ميدانية واضحة. غير أن هذه السيطرة، رغم رسوخها النسبي، لا تعني حسمًا نهائيًا، إذ تبقى الجوف مرتبطة ميدانيًا بجبهة مأرب، ما يجعلها قابلة للتأثر بأي تحول كبير في ميزان القوى هناك.
في هذا السياق، يمكن النظر إلى الجوف باعتبارها منطقة احتفاظ استراتيجي أكثر من كونها جبهة اشتباك مفتوحة. فهي بالنسبة لمليشيا الحوثي تمثل عمقًا عملياتيًا داعمًا لجبهاتها الشمالية والشرقية، بينما تمثل بالنسبة للشرعية ملفًا مؤجلًا ضمن جبهات لم يُحسم أمرها بعد. وتكمن أهمية الجوف في أنها لا تحسم الحرب منفردة، لكنها تؤثر في اتجاهها العام، وتنعكس نتائجها على بقية الجبهات، خصوصًا مأرب.
خلال الفترة الأخيرة، شهدت المحافظة توترات بين مليشيا الحوثي وبعض قبائل دهم، وهو ما يعكس استمرار هشاشة الوضع القائم وقابليته للاهتزاز. ومع ذلك، فإن ميزان القوة الحالي يحدّ من توسع هذه الأحداث، إذ غالبًا ما يتم احتواؤها عبر أدوات القمع الحوثي المباشر أو من خلال آليات إدارة محلية تفرضها المليشيا في مناطق نفوذها، في ظل غياب فاعلية واضحة للشرعية في تحويل مثل هذه القلاقل إلى مكاسب سياسية أو ميدانية، كما حدث في تجارب سابقة في حجور والبيضاء.
في الختام، تبدو الجوف اليوم ساحة استقرار هش أكثر من كونها منطقة حسم، حيث يرسّخ الحوثيون حضورهم بالقوة وإدارة الواقع، بينما، وللأسف الشديد، لا تزال الشرعية اليمنية تكتفي بموقع المتابع غير القادر على تحويل التحولات المحلية إلى تغيير استراتيجي في ميزان السيطرة.