لماذا وصلنا إلى هذه المرحلة القذرة؟
صحيح أننا لم نصل إلى هنا فجأة، ولم نسقط من السماء إلى هذا القاع دفعة واحدة. ما نعيشه اليوم هو نتيجة تراكم من الأخطاء، والتنازلات، والصمت، حتى أصبح العبث هو القاعدة، وأصبح النظام الحقيقي الذي يحكم هو "الهوشلية".
في هذا الواقع وهذه البلاد، لم يعد للعلم، ولا للكفاءة مكان أو قيمة. المتعلم والعالم يُقصى ويُهمّش، وصاحب الخبرة يُستبدل بمن يملك تزكية أو ولاء. وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية، خصوصًا عندما يُستبدل معيار الكفاءة بمعيار القرب، ومعيار الجهد بمعيار الانتماء.
المحسوبية في هذا البلد لم تعد مجرد خلل إداري، بل تحولت إلى ثقافة عامة. وظيفة تُعطى لقريب، ومنصب يُمنح لموالٍ، وقرار يُتخذ لخدمة حزب. وهكذا تُغلق الأبواب في وجه من يستحق، وتُفتح على مصراعيها لمن لا يملك إلا اسمًا أو واسطة. ومع الوقت، يفقد الناس الثقة في فكرة العدالة.
أما الحزبية المريضة، فقد مزّقت ما تبقى من النسيج الوطني. الأحزاب في اليمن لم تعد وسيلة لخدمة الناس، بل أدوات لتصفية الحسابات. كل طرف يرى نفسه الحقيقة المطلقة، وكل مخالف عدو يجب إقصاؤه. وهكذا تضيع القضايا الكبرى وسط صراعات صغيرة، ويضيع الوطن بين "نحن" و"هم".
والأخطر من كل ذلك، نعم الأخطر، هو الصمت. نعم، صمت الناس هو الوقود الذي يُغذّي هذا الانحدار. حين يرى المواطن الظلم ويسكت، وحين يقبل بالإقصاء لأنه لا يطاله اليوم، فإنه يساهم، ولو بصمته، في تكريس هذا الواقع.
ما نعيشه اليوم نتيجة وليس قدرًا. نتيجة لأننا قبلنا بالقليل حتى فقدنا كل شيء. نتيجة لأننا صفّقنا لمن لا يستحق، وسكتنا عمّن لا يُسكت عنه. نتيجة لأننا تركنا المعايير تنهار، حتى أصبح الانهيار هو المعيار.
تالله وبالله، لا يمكن أن يتغير هذا الواقع ما لم تتغير طريقة تفكيرنا. لا يمكن أن نحلم بدولة ونحن نمارس سلوكيات تهدمها كل يوم. لا يمكن أن نطالب بالعدالة ونحن نبرر الظلم إذا كان في صالحنا.
استعادة القيم تبدأ من رفض هذا الواقع، لا التكيف معه. تبدأ من إعادة الاعتبار للعلم، وللكفاءة، وللنزاهة. تبدأ من قول "لا" في وجه المحسوبية، و"كفى" في وجه العبث، حتى لو كانت الكلفة شخصية.
فإما أن نصحو أو نستمر في السقوط، لكن هذه المرة بدون قاع.